الحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة

الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة 

شكل موضوع إصلاح القضاء بالمغرب مطلبا مشتركا بين الدولة والأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني وذلك في أفق استكمال هيكلة دولة الحق والقانون التي تقوم على مبدأ فصل السلط، في حين كان القضاء بالمغرب لم يحز بعد صفة السلطة فكان المطلب الأول هو الاعتراف به كسلطة ثم استقلاله ثانيا وتضمن الدستور لهذين المطلبين، كضمانة لعدم خرق استقلالية القضاء، وهو الأمر الذي عجل به «الربيع المغربي» الذي توج بمراجعة دستورية أسفرت عن دستور جديد هو دستور فاتح يوليوز 2011 الذي اعتبر متقدما على دستور 1996 كما ونوعا، خصوصا في مجال القضاء والسلطة القضائية، إذ تم التنصيص على القضاء كسلطة وعلى استقلاليته عن السلطة التنفيذية والتشريعية وتأسيس مجلس أعلى للسلطة القضائية.

الحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة
 
وبعد تنصيب الحكومة الجديدة التي أفرزتها انتخابات 25 نونبر 2011، جاء التصريح الحكومي ليؤكد أولوية إصلاح القضاء ضمن المخطط التشريعي الذي يهدف إلى تنزيل هذا الدستور من خلال إصدار قوانين تنظيمية التي بلغت تسعة عشر قانونا تنظيميا ، ومنها ما هو متعلق بالسلطة القضائية. ونظرا لخصوصية مرفق القضاء الذي كان إلى عهد قريب يعتبر مجالا سياديا للملك كإحدى وظائف الإمامة الكبرى التي تجسدها إمارة المؤمنين أو ضمن ما كان يسمى بوزارات السيادة وهي وزارة العدل والداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية، فإن مبادرة إطلاق ورش الإصلاح القضائي جاءت من الملك الذي عين لجنة عليا للحوار الوطني يوم 8 ماي 2012 بالقصر الملكي بالدار البيضاء تشرف على عملية الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة ، وإعداد ميثاق وطني يحدد التوجهات والإجراءات لتحقيق هذا الإصلاح الذي أصبح ملحا أكثر من وقت مضى. فما هي السياقات والمالات لهذا الحوار الوطني ؟

السياق 

الربيع المغربي

عرفت سنة 2011 حراكا شعبيا وانتفاضات أو ثورات شعبية انتهت بإسقاط ثلاث رؤوس أنظمة دكتاتورية في تونس ومصر وليبيا، في حين دفع الربيع العربي في دول أخرى إلى المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية تحت شعار محاربة الفساد وإسقاط الاستبداد لتحقيق العدالة والحرية والكرامة، وبالنسبة للمغرب كان له نصيب من هذا الحراك الشعبي فظهرت حركة عشرين فبراير التي نزلت إلى الشارع مطالبة بإسقاط الاستبداد ومحاربة الفساد ، وكان من شعاراتها ومطالبها استقلال القضاء.

هذا الحراك الشبابي تلاه خطاب العاهل المغربي في 9 مارس 2011 الذي حدد التوجهات الإصلاحية وفي مقدمتها تعديل الدستور، وأجريت انتخابات سابقة لأوانها بعد الاستفتاء على الدستور وانتخاب حكومة جديدة ترأسها الحزب الإسلامي العدالة والتنمية»، وجعلت من أولوياتها تنزيل الدستور الجديد الذي يحتوي على 180 فصل، من خلال إصدار قوانين تنظيمية منها ما يهم المجال القضائي الذي بوأه الدستور الجديد مكانة متميزة (الباب السابع الفصول (128-107 وبالتالي إعادة النظر في المنظومة التشريعية والقانونية والإدارية التي كانت تؤطر المجال القضائي في المرحلة السابقة، لقد كان للربيع المغربي دور في تسريع عملية الإصلاح التي تعثرت لأسباب متعددة.

العهد الجديد ومسلسل الإصلاحات

 لقد اتسم العهد الجديد أو العشرية الأخيرة بإجراء مجموعة من الإصلاحات في إطار عنوان المرحلة "المفهوم الجديد للسلطة"، منها ما هو ذو طابع اجتماعي كمدونة الأسرة أو ذو طابع حقوقي كهيئة المصالحة والإنصاف أو ذو طابع ثقافي كإنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أو ذو طابع إداري كمشروع الجهوية الموسعة، كما أن هذه الإصلاحات تمت بمقاربة تشاركية عبر تعيين لجان جماعية متنوعة المشارب، ثم جاء الدور على القضاء الذي يعتبر من أبرز اهتمامات العاهل المغربي منذ اعتلائه عرش المملكة.

 هذا الاهتمام ترجمته الخطب الملكية، في الحديث عن  إصلاح القضاء وتكرر ذلك فى أغلب الخطب الملكية، إلى أن تم تحديد توجهات هذا الإصلاح في خطاب العرش لسنة 2008 وبشكل أدق ومفصل فى خطاب 20 غشت 2009 الذي حدد فيه ست مجالات رئيسية ينبغى أن يطالها الإصلاح ( توفير ضمانات معززة لاستقلال القضاء، عصرنة الإطار التنظيمي، إصلاح شامل للهيكلة والموظفين، زيادة الفعالية، تنفيذ قواعد لمنع الرشوة وسوء استخدام السلطة، ثم التطبيق الأمثل للإصلاحات) وهذا الخطاب يعتبر مرجعية لكل ما سيأتي من مبادرات إصلاحية بدأت مع وزير العدل الأسبق عبد الواحد الراضي ثم المرحوم محمد الناصري واستقرت مع الوزير الحالي مصطفى الرميد الذي كلف بإدارة الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة في إطار التنزيل الدستوري على مستوى القضاء ومكوناته ومحيطه.

مطالب الحركة الحقوقية وتحركات الجسم القضائي

لقد كان لمطالب المنظمات الحقوقية الغير الحكومية الداخلية والخارجية دورا مهما في المطالبة باستقلال القضاء وجعله شرطا ضروريا لبناء دولة الحق والقانون وتجاوز مخلفات الماضي من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان فيما سمي بسنوات الرصاص، وقد تأسست هيئة الإنصاف والمصالحة في 7 يناير 2004 لطي صفحة الماضي من خلال إصدار توصيات لعدم تكرار ماجرى ومن ضمن التوصيات كان إصلاح القضاء واستقلاليته وتضمين ذلك في الدستور، لأنه كان للقضاء مسؤولية ودور في هذه الانتهاكات من خلال توجيهه من طرف السلطة التنفيذية باعتقال وسجن المعارضين السياسيين في إطار محاكمات صورية غير عادلة. 

يضاف إلى هذا تحركات الجسم القضائي من خلال محاولات إنشاء جمعيات وإطارات مهنية أبرزها « نادي قضاة المغرب» (1) التى ولدت مع الدستور الجديد الذي يمنح للقضاة حق تأسيس جمعيات مهنية كما تم إنشاء «النسيج المدنى للدفاع عن استقلال السلطة القضائية» (2)، وغيرها من الجمعيات القديمة الجديدة أو من خلال إحياء الودادية الحسنية للقضاة» لتلعب دورا في تصحيح أعطاب القضاء إداريا وبشريا ومؤسساتيا وأخلاقيا.

 هذه الأعطاب التى كانت مادة دسمة لتقارير وطنية ودولية صنفت القضاء فى المغرب ضمن القطاعات الأكثر فسادا مما يستدعى إصلاحا عاجلا كما أن التزامات المغرب الدولية و تنصيصه فى الدستور التزامه باحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا وعلاقته مع الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر معيار الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان أساسيا في أي علاقة مع دول الجنوب، أو في إطار المساعدات المالية والمشروطة بقيام إصلاحات معينة.

 وعلى سبيل المثال مشروع دعم تحديث المحاكم بغلاف مالي وصل إلى 34 وتطوير البنية التحتية والتنظيمية للمحاكم.(3). وتحديث أدوات العمل وتسريع الإجراءات ونشر مليون أورو ما بين سنة 2003 و 2010 باستهداف 40 محكمة بهدف الرفع من أداء الجهاز القضائي المعلومة القانونية وتطوير أساليب الحفظ. كما أن الوضع المتقدم» (4) الذي منح للمغرب في أكتوبر 2008 كان مشروطا بالمضي في الإصلاحات السياسية والحقوقية التي تصب في تكريس دولة الحق والقانون ومن أبرز تجلياتها قضاء مستقل ونزيه.

اللجنة العليا للحوار الوطني وهيئة الحوار الوطني

المقاربة التشاركية الإدماجية

يوم 8 ماي 2012 عين العاهل المغربي لجنة عليا (5) يرأسها وزير العدل والحريات بعد إلقاء خطاب يعلن فيه تنصيب هذه اللجنة التي تتكون من 40 عضوا للإشراف على إدارة الحوار الوطني للإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، وأعضاء هذه اللجنة يمثلون المؤسسات الدستورية والمهن القانونية والقضائية كممارسين وباحثين وأساتذة ومهتمين وفعاليات حقوقية وسياسية ومدنية، كما تم تشكيل هيئة الحوار الوطني موسعة تضم 160 عضوا موزعة كالتالي(6) :
  • المديرون المركزيون بوزارة العدل 5 أعضاء
  • أعضاء المجلس الأعلى للقضاء 7 أعضاء
  • جمعيات القضاة 5 أعضاء
  • المهن القانونية والقضائية 10 أعضاء 
  • الإدارات والمؤسسات الوطنية 9 أعضاء
  • الجمعيات والمنظمات الحقوقية 45 عضو
  •  قطاع الأعمال والقطاعات الانتاجية 8 أعضاء 
  • المنظمات النقابية لقطاع العدل 6 أعضاء
  • الهيئة التشريعية 2 عضوين
  • الأحزاب السياسية الممثلة بالبرلمان 18 عضوا
  • القطاعات الحكومية 30 عضوا
  • ممثلو الهيئات المكونة للهيئة العليا الحوار الوطني 13 عضو
  • الصحافة والنشر 2 عضوان

الهيئة العليا لها طابع استشاري مهمتها إعداد ميثاق وطني حول إصلاح منظومة العدالة يعرض على العاهل المغربي للنظر فيه .

ومقارنة مع اللجان السابقة كلجنة مدونة الأسرة ولجنة هيئة المصالحة والإنصاف ولجنة الجهوية الموسعة ولجنة تعديل الدستور لم يتجاوز أعضاؤها عشرون عضوا بينما هذه الهيئة كانت متميزة كما 40 عضوا وكيفا من حيث نوعية التمثيلية على مستوى إشراك رؤساء المؤسسات الدستورية والتمثيلية النسوية التي بلغت 20 في المائة (7). وفي إطار الانفتاح على المجتمع وإشراكه في هذا الورش تم إنشاء موقع الكتروني باللغات العربية والفرنسية والإسبانية لتلقي اقتراحات وملاحظات المهتمين وكذلك إحاطة الموطنين بمجريات الحوار الوطني وأنشطته .

هاتان اللجنتان وما تضمانه من أعضاء تعكس المقاربة التشاركية والإدماجية الموسعة من خلال إشراك ممثلي الهيآت القضائية من قضاة و كتاب الضبط وممثلي المهن القانونية المرتبطة بالعدالة من محامين وخبراء وموثقين ومترجمين وجمعيات حقوقية ومنظمات المجتمع المدني وهيات وطنية وقطاعات حكومية كما أن هذه المقاربة التشاركية تجلت في الاستماع واستقبال اقتراحات ومذكرات من قطاعات واسعة من أحزاب ونقابات وجمعيات والاستفادة من خبرات وطنية و أجنبية ذات صلة بمجال العدالة.

المقاربة الشمولية للإصلاح

المقاربة الشمولية في مقاربة موضوع الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، باعتبار القضاء جزء من هذه المنظومة بجانب مكونات أخرى يصطلح عليها بالمهن القانونية كما أن وظيفي لا يرقى إلى سلطة قائمة الذات كما أن هذه الشمولية تطال الجوانب التشريعية والمؤسساتية مصطلح العدالة أشمل من مصطلح القضاء الذي تم التعامل معه سابقا كمرفق إدارى أو قطاع والإدارية واللوجستية والبشرية التي تعكسها المحاور الكبرى لهذا الإصلاح وهي الاستقلالية والتخليق والتحديث والتأهيل.

آليات الاشتغال ومحاور الإصلاح

بعد تعيين اللجنة العليا للحوار الوطني وتشكيل هيئة الحوار الوطني عقدت الهيئة العليا اجتماعات لتحديد آلية الاشتغال ومنهجية الحوار وأخلاقياته وجدولة الندوات الجهوية بعد تحديد مواضيعها ومحاورها وتواريخ ومكان انعقادها وهي ثمانية محاور تدور حولها العروض والمذكرات وطريقة إعدادها وإلقائها أو إرسالها عبر البريد الالكتروني لوزارة العدل مع احترام الحصص الزمنية د الصفحات ومنهجية البحث والتركيز على الجانب العملي والإشكالي واقتراح الحلول وتحديد الإجراءات بعيدا عن الإغراق في التنظير وذلك من خلال الالتزام بدفتر تحملات لضمان منهجية موحدة لهذه العروض (8) ، وهذه المحاور هي كالتالي:

1 - استقلال السلطة القضائية
2 ـ تأهيل الموارد البشرية
3 ـ تأهيل المهن القضائية
4 - تخليق المنظومة القضائية
5 - تطوير العدالة الجنائية وتعزيز المحاكمة العادلة
6 - تطوير التنظيم القضائي ، والرفع من النجاعة القضائية ، وتسهيل الولوج إلى القانون والعدالة
7 - تحديث الإدارة والبنية التحتية للمحاكم
8 - تحديث قضاء الأعمال

الندوات الجهوية

تعتبر الندوات الجهوية هي الآلية الرئيسية في إدارة هذا الحوار الوطني حيث تلقى العروض مع المناقشة والخروج بتوصيات محددة لصياغة ميثاق وطني لإصلاح العدالة. كما أن الهيأة العليا وهيئة الحوار الموسعة كانت تعقد اجتماعاتها لإجراء حوارات داخلية ومواكبة لهذا الحوار وتأطيره من خلال لجن موضوعاتية.

 وخلال مدة سنة ومنذ تنصيب أعضاء الهيئة العليا تم عقد 11 ندوة جهوية واكبتها زيارات ميدانية لمعاينة واقع المحاكم وعقد جلسات عمل واستماع مع قضاتها وموظفيها ومحاميها كما عقدت الهيئة العليا 41 اجتماعا داخليا ، وتلقت استشارات كتابية لـ 111 هيئة حزبية ونقابية ومهنية، وعقد 104 ندوة مواكبة على صعيد المحاكم، وعرفت مشاركة 200 جمعية من منظمات المجتمع المدني (9).

وهذه الندوات الجهوية تم تنظيمها كالتالي :
  1. الندوة الجهوية الأولى بتاريخ 11 12 يونيو بمدينة الرباط تحت عنوان "تطوير التنظيم القضائي, ورفع النجاعة القضائية ، وتسهيل الولوج إلى القانون والعدالة" 6 عروض مع المناقشة.
  2.  الندوة الجهوية الثانية بتاريخ 6 7 يوليوز 2012 بمدينة الدر البيضاء تحت عنوان"تأهيل المهن القضائية" تضمن عرضا وسبعة تقاري تركيبية وثلاث ورشات عمل.
  3. الندوة الجهوية الثالثة بتاريخ 21 22 شتنبر 2012 بمدينة السعيدية تحت عنوان «تأهيل الموارد البشرية» تضمنت 5 عروض مع المناقشة.
  4. الندوة الجهوية الرابعة بتاريخ 19 ، 20 أكتوبر 2012 بمدينة إفران تحت عنوان «تخليق المنظومة القضائية» تضمنت ثلاث عروض مع المناقشة .
  5. الندوة الجهوية الخامسة بتاريخ 9، 10 نونبر 2012 بمدينة فاس "تحديث السياسة الجنائية وتطوير العدالة الجنائية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة" تضمنت 14 عرضا مع المناقشة. 
  6. الندوة الجهوية السادسة بتاريخ 23،24 نونبر 2012 بمدينة مراكش "تحديث السياسة الجنائية وتطوير العدالة الجنائية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة" تضمنت 12 عرضا مع المناقشة.
  7. الندوة الجهوية السابعة بتاريخ 22 دسمبر 2012 بمدينة الداخلة تحت عنوان "الحكامة القضائية، وتأهيل وتحديث الإدارة القضائية والبنية التحتية" 6 عروض مع المناقشة.
  8. الندوة الجهوية الثامنة بتاريخ 11 ، 12 يناير 2013 بمدينة أكادير تحت عنوان «تعزيز استقلال السلطة القضائية» 12 عرض مع المناقشة.
  9. الندوة الجهوية التاسعة بتاريخ 2 ،1 فبراير 2013 بمدينة طنجة تحت عنوان "تأهيل قضاء الأعمال" 11 عرض مع المناقشة .
  10. الندوة الجهوية العاشرة بتاريخ 9 فبراير 2013 بمدينة سطات تحت عنوان  "قضاء الأسرة" 5 عروض مع المناقشة.
  11. الندوة الجهوية الحادية عشر بتاريخ 23 فبراير 2013 بمدينة الرباط تحت عنوان « القضاء والإعلام » 6 مداخلات مع مناقشة لكل منها (10).
هذه الندوات عرفت تفاوتا فى عدد العروض المقدمة والتى تراوحت بين ثلاث عروض كحد أدنى ( الندوة الجهوية الرابعة ) واربعة عشر عرضا كحد أعلى ( الندوة الجهوية الخامسة )، بعد انتهاء الندوات تم تجميع تلك العروض والمناقشات والملاحظات والاقتراحات جاءت مرحلة إعداد الميثاق الوطني .

الميثاق

بعد انتهاء الندوات الجهوية الإحدى عشر، شرعت الهيئة العليا في إعداد مسودة الميثاق الوطني من خلال المقترحات التي تبلورت عبر آليات الحوار الوطني، فتشكلت ثماني مجموعات عمل موضوعاتية لتجميع هذه المقترحات وترتيبها وتقديم تقارير وخلاصات بشأنها ثم مناقشتها أمام الهيأة العليا لتكون مشروع توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة قدمت للملك عبر رئاسة الحكومة للنظر فيها، وفي خطاب العرش 31 يوليوز 2013 تم توشيح أعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني بوسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط كبير كما سجل العاهل المغربي ارتياحه بالتوصل إلى ميثاق إصلاح المنظومة القضائية كما ورد في خطاب العرش (11).

ويتكون الميثاق من جزأين الجزء الأول تشخيص منظومة العدالة وأعطابها وإشكالاتها والصعوبة التي تعترض سيرها بناء على العروض والمناقشات والمذكرات المقدمة وانطلاقا من هذا التشخيص تمت بلورة الرؤية العامة والخطوط العريضة والتوجهات لإصلاح العدالة وهذا يشكل الجزء الثاني من الميثاق ، أي العلاج وهذه التوجهات حددت في ستة أهداف تشمل :

- توطيد استقلال السلطة القضائية
- تخليق منظومة العدالة
- تعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات والارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء وإنماء القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة
- تحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها
هذه الأهداف الستة ينبثق منها 36 هدفا فرعيا مع 200 آلية لتنفيذه من خلال 353 إجراء تنفيذي ضمن المخطط الإجرائي المرفق بالميثاق .(12).

بعد صياغة الميثاق الوطني تم الشروع في ترجمته إلى أرض الواقع، فتم إعداد مشروع قانون تنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ومشروع القانون الأساسي للقضاة ومرسوم مراجعة الوضعية المادية للقضاة وحدد وزير العدل والحريات سنة 2015 كسقف زمني لإنهاء إخراج القوانين التي تضمنها الميثاق، وسنة 2020 بالنسبة للمحكمة الرقمية (13)، وحول تمويل تطبيق هذا الميثاق ، فجزء منه من موازنة الدولة والمتعلق بتحسين الوضعية المادية للقضاة ، وجزء آخر ستوفره الوزارة من خلال بيع بعض عقاراتها، وفيما يخص تجهيز المحاكم وتحديثها فهناك المساعدات الأوربية والبنك الدولي وفي هذا الإطار صادق الاتحاد الأوروبي على مساعدة مالية قدرها 60 مليون أورو لتمويل إصلاح منظومة العدالة كما سطرها الميثاق الوطني (14).

الحوار الموازي

عندما انطلقت حركة عشرين فبراير سنة 2011 وتحطم جدار الخوف تحرك مجموعة من القضاة على مستوى المنتدى الاجتماعي فيسبوك في النت في إطار ماسمي بالحراك القضائي وأنشأوا صفحة سموها «صفحة نادي قضاة «المغرب» كانت فضاء لمناقشة أوضاع القضاء وسيل إصلاحه وترقيته إلى سلطة على مستوى الدستور وكان القضاة يستعملون أسماء مستعارة احتيافة فلا زالوا مطوقين بواجب التحفظ. وبعد المصادقة على الدستور الجديد استظل القضاة الفيسبوكيون بالفصل 111 الذي يمنح للقضاة حق تأسيس جمعيات مهنية ليعلنوا تأسيس جمعية مهنية «نادي قضاة المغرب» على الأرض هذه المرة وحددوا يوم 20 غشت 2011 كمحطة لعقد الجمع العام التأسيسي وهذا التاريخ له حمولة رمزية فهو يوحي بمحطة 20 غشت 2009 التي أعلن فيها العاهل المغربي عن خارطة طريق إصلاح القضاء، وتم منع انعقاد هذا الجمع التأسيسي في المدرسة الوطنية للصناعة المعدنية بالرباط كما كان مقررا بعد تجاهل طلبهم بانعقاد الجمع في المعهد العالي للقضاء، إلا أن قضاة "نادى القضاة" أصروا على تأسيس جمعيتهم فى الفضاء العام أي في الـساحة المقابلة للمدرسة وانتخبوا الهيات القيادية ( المكتب التنفيذي - المجلس الوطني وصادقوا على القانون الأساسي للجمعية وبتاريخ 12/09/2011 تم إيداع ملف التأسيس لدى السلطات المعنية بمدينة الرباط وتوصلت الجمعية بالوصل المؤقت (15).

وليست «نادي قضاة «المغرب» هي الجمعية الوحيدة التى تأسست بعد تعديل الدستور وإنما هناك جمعيات أخرى، إلا أن "نادي قضاة المغرب"، من خلال ظروف نشأته وطبيعة علاقته المتوترة مع وزارة العدل وموقفه من الحوار الوطني وانسحابه منه واستعمال أسلوب الوقفات الاحتجاجية كتعبير عن مطالبه، وهو شيء جديد بالنسبة للجسم القضائي المطوق بواجب التحفظ، ومن خلال مواقفه المعلنة، شكل ما يمكن اعتباره جمعية ضاغطة أو سلطة مضادة للسلطة التنفيذية التي تمثلها وزارة العدل، هذه العلاقة وصلت درجة التشنج من خلال إعلان الوقفة الاحتجاجية للنادي بالبدلات بتاريخ 8 فبراير 2014 مما دفع الودادية الحسنية للقضاة» وهي الجمعية القديمة الممثلة للقضاة إلى التعبير عن امتعاضها للأسلوب والطريقة التي تسلكها جمعية «نادي قضاة المغرب» والتي «تسئ للقضاة والهيأة القضائية» (16) حسب رأيها.

لقد حدد نادي قضاة المغرب أسباب انسحابه من الحوار الوطني مع الإبقاء على مساهمته في الحوار العمومي وهذه الأسباب هي : تحفظه على إشراف وزارة العدل والحريات باعتبارها سلطة تنفيذية على إدارة الحوار الوطني حول إصلاح القضاء الذي هو سلطة مستقلة، بالإضافة إلى تحفظه على تشكيلة اللجنة العليا للحوار والتي لا تعكس تمثيلية وازنة وتخصصية لقطاع القضاء، بالإضافة إلى مواضيع بعض الندوات الجهوية كما أن صياغة التوصيات والاقتراحات كان بإشراف وزارة العدل والحريات وهذا يتناقض مع التوجه الدستوري الجديد الذي بوأ القضاء سلطة مستقلة وليس تابعة لسلطة أخرى (17).

 كما أن جمعية هيآت المحامين بالمغرب أعلنت معارضتها لنتائج الحوار الوطني وما تمخض عنه من ميثاق واعتبرت ما توصل إليه الميثاق لا يرقى إلى طموحات المحامين فيما يخص منظومة العدالة بشكل عام وما يخص المحاماة على وجه الخصوص .(18). هذه التحركات انضمت إليها جمعيات أخرى كالودادية الحسنية للقضاة وودادية موظفي العدل والنقابة الديمقراطية للعدل والهيأة الوطنية للموثقين والهيأة الوطنية للمفوضين القضائيين والهيأة الوطنية للعدول وهذه المكونات الثمانية بادرت إلى تأسيس «الملتقى الوطني لمنظومة العدالة (19) عقد لقاءه التأسيسى بالدار البيضاء بتاريخ 24 ماي 2014 ، وجاء هذا التأسيس لمواكبة إصلاح القضاء والقيام بمبادرات مشتركة وتجاوز السلبيات التي عرفها الحوار الوطني حسب مؤسسي هذا الملتقى.

الخلاصة: لقد انتهى الحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة إلى صياغة ميثاق وطني يحدد التوصيات والإجراءات لمعالجة اختلالات منظومة العدالة، ويبقى السؤال ماهي الضمانات لأمكانية تنزيل هذه التوصيات على الأرض، فاستقلال القضاء ونزاهته ونجاعته وتخليقه وتحديثه ليست مرتبطة فقط بإشكالية النصوص وإنما بطبيعة القضاة ونزاهتهم والبيئة المحيطة سياسيا و دستوريا، فاستقلال القضاء يكون مضمونا في ظل نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ فصل  حقيقي السلط، وكل سلطة تمارس صلاحيتها في ظروف طبيعية، فهل هذا ينطبق على المغرب الذي مازال يطالب فيه المجتمع السياسي والحزبي رئيس الحكومة بممارسة صلاحياته كما حددها الدستور الجديد.

لائحة المراجع

1 - أنس سعدون الحراك القضائي بالمغرب من أجل سلطة قضائية مستقلة، المفكرة القانونية
2 - بيان إخباري بشأن تأسيس النسيج المدني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية موقع جسور
http://www.e-joussour.net/ar
3 - الاتحاد الأوروبي يمنح المغرب 60 مليون أورو - هيسبريس 9أبريل 2014 4 - تمسماني سفيان الوضع المتقدم إطار جديد لعلاقة المغرب بالاتحاد الأوروبي ماستر القانون العام والعلوم السياسية - كلية الحقوق الرباط - أكدال
5 - لائحة أعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة - موقع الحوار الوطني
/http://hiwar.justice.gov.ma:
6 - لائحة أعضاء هيئة الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة - موقع الحوار الوطني 7 - محمد سيداني اباحاج إصلاح منظومة العدالة - أي حظ للصحراء 16 يونيو 2012 موقع
لكم www.Lakom.com
8 - دفتر شروط الندوات - وزارة العدل والحريات - موقع الحوار الوطني
9 - بلاغ وزارة العدل والحريات : وكالة المغرب العربي للانباء 31 يوليو 2013
10- للاطلاع على تفاصيل العروض - انظر موقع الحوار الوطني - الندوات الجهوية
11 - بعد سنة من الحوار، الرميد يعرض مضامين ميثاق إصلاح العدالة - هيسبريس 13 شتنبر
12 - نفس المرجع السابق
13 - ميثاق إصلاح منظومة العدالة - الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة
 14 - الاتحاد الأوروبي يمنح المغرب 60 مليون أورو _ هيسبريس 9أبريل 2014 
15 - أنس سعدون الحراك القضائي بالمغرب من أجل سلطة قضائية مستقلة المفكرة القانونية 
16 - العياسي رئيس الودادية للقضاة لكود» 18 فبراير 2014 
17 - بيان المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب ، 2 نونبر 2013 موقع نادي قضاة المغرب : www.club-magistrats-maroc.com
18 - ميثاق إصلاح منظومة العدالة وموقف مكتب لجمعية هيأت المحامين ، 3 أكتوبر 2013 موقع
www.marocdroit.com :
19 - الإعلان عن تأسيس « الملتقى الوطني لمنظومة العدالة مغرس : 24 ماي 2014

مقال نشر في عدد خاص " مسار القضاء، في مجتمع مغربي متحول"  في مجلة أبحاث عدد 63 سنة 2016 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المغرب والأمن السيبراني، الإطار التشريعي والمؤسساتي والاستراتيجي

المغرب والتحول الرقمي، الإطار التشريعي والمؤسساتي و الاستراتيجي

قانون حماية المعطيات الشخصية في المغرب وضرورة التحيين