رؤية الإسلاميين للإصلاح : حزب العدالة والتنمية و جماعة العدل والإحسان كنموذج

رؤية الإسلاميين للإصلاح في المغرب

مقال نشر في مجلة أبحاث عدد 59 السنة 24 فبراير- ماي 2010

تعتبر قضية الإصلاح من القضايا التي تدوولت في الآونة الأخيرة على الصعيد الداخلي والخارجي، فرغم أن الإصلاح هم داخلي أكثر منه خارجي إلا أن رفعه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا بعد أحداث11 شتنبر 2001 وما فجرته من تساؤلات حول أسباب هذه الأحداث، جعل هذه القضية تقفز إلى السطح فكان غياب الديمقراطية أو تغييبها أحد السباب المعلنة، ومن هنا جاءت قضية الإصلاح كـمطلب دولي تقوده أمريكا.

ولما كان الإسلاميون يمثلون قاعدة عريضة داخل الوطن العربي والإسلامي عكستها صناديق الاقتراع المسموح بها طبعا، كانت علاقتهم "بالإصلاح» في أكثر من جانب، فهم أول ضحايا تغييب الديمقراطية وهم أول المستفيدين من تطبيقها ومن هنا جاءت رؤيتهم للإصلاح تهم أثثر من طرف، وفي هذه الورقة نطرح رؤية الإسلاميين المغاربة لقضية الإصلاح ممثلين في تنظيمين هما « جماعة العدل والإحسان» و "حزب العدالة والتنمية" هذا الأخير الذي يعتبر الأداة الحزبية ل "حركة التوحيد والإصلاح".

رؤية الإسلاميين للإصلاح : حزب العدالة والتنمية و جماعة العدل والإحسان كنموذج

جماعة العدل والإحسان :

تأسست جماعة والعدل والإحسان كتنظيم في شتنبر 1981 تحت اسم "أسرة الجماعة" على يد الشيخ عبد السلام ياسين بعد خروجه من السجن ( مستشفى الأمراض النفسية) الذي قضى فيه ثلاثة سنوات ونصف على إثر رسالة «الإسلام أو الطوفان» التي بعث بها إلى الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1974، وفي شتنبر 1982 تقدمت الجماعة إلى السلطات بطلب تأسيس "جمعية الجماعة" فتم رفض هذا الطلب لتعيد الكرة في أبريل 1983 تحت اسم «جمعية الجماعة الخيرية» وهي جمعية ذات طابع سياسي وتم الرفض مرة أخرى، وفي 27 دجنبر 1983 اعتقل عبد السلام ياسين بسبب ما جاء في العدد الأول من جريدة «الصبح» التي كان يصدرها، وفي ماي 1984 أصدرت المحكمة حكما بسنتين نافذتين وغرامة مالية قدرها 5000 درهم على مرشد الجماعة.

 وفي سنة 1987 ستحمل الجماعة اسم أو شعار «العدل والإحسان»، «العدل» يعكس البرنامج السياسي، والإحسان يعكس البرنامج التربوي (الدعوة والدولة)، وفي 30 دجنبر 1989 وضع الاستاذ عبد السلام ياسين في الإقامة الجبرية، وفي 10 يناير 1990 صدر قرار بحل الجماعة.

يعتبر تاريخ مرشد الجماعة هو تاريخ الجماعة، وهذه الأخيرة تتمحور حول المرشد في المجال التربوي فهي تقوم على منهج "صوفي" وتستهلك ما ينتجه الشيخ عبد السلام ياسين، وذلك لسوابقه في انتمائه للطريقة البوتشيشية التي انفصل عنها ليؤسس مشروعه السياسي التغييري مشروع «الدعوة والدولة»، ويعتبر كتاب "المنهاج النبوي تربية وتنظيما وز حفا" الصادر سنة 1982، وهو من تأليف عبد السلام ياسين دليل العمل للجماعة، ففيه الرؤية والمنهج على الصعيد التربوي والسياسي والجهادي الذي يقود إلى تحقيق «الخلافة» على «منهاج النبوة»، كما ألف المرشد كتب أخرى تفصيلية لما أوجزه في كتاب المنهاج النبوي وتحدد مواقف الجماعة من القضايا المطروحة على الساحة دعويا وسياسيا وتربويا بلغت أكثر من عشرين بين رسالة وكتاب بعضها بالفرنسية وأكثرها بالعربية.

 وتعتبر الجماعة من أكبر التنظيمات الإسلامية من حيث العدد حسب كثير من المراقبين ويتجلى ذلك في الأعداد المشاركة من الجماعة في التظاهرات والمسيرات التي تنظمها القوى السياسية والإسلامية والأحزاب السياسية الوطنية بمناسبة أحداث تضامنية مع فلسطين والعراق، وتعزى هذه الجماهيرية إلى الشخصية الكارزمية التي يتمتع بها الشيخ اتجاه مريديه وإلى المواقف الجذرية والمعلنة من طرف المرشد اتجاه أعلى سلطة في البلاد سواء من خلال رسالة الإسلام» أو «الطوفان» الموجهة إلى الملك الحسن الثاني سنة 1974 أو «مذكرة إلى من يهمه الأمر بتاريخ 28 يناير 2000 وبذلك تصنف جماعة العدل والإحسان كجماعة معارضة للنظام السياسي بشكل جذري وتتبنى مبادئ ثلاث في عملها السياسي معروفة باللاءات الثلاث لا للعنف لا للسرية لا للتعامل مع الخارج.

رؤية الجماعة للإصلاح

قبل عرض الخطوط العريضة لرؤية الجماعة للإصلاح يجدر بنا التطرق إلى الهوية التنظيمية والمذهبية، فالجماعة تنطلق من مرجعية الإسلام في «الرؤية والمنهج على قاعدة أن الإسلام منهج شمولي يشمل الدين والدولة ويتناول الإنسان في بعده الروحي والمادي وفي دائرته الفردية والأسرية والمجتمعية فرؤيتها للتغيير والإصلاح تنطلق من مرجعية الإسلام في مصدريه الرئيسيين الكتاب والسنة حسب فهم الجماعة لهما ومن التجرية التاريخية ممثلة في فترة الخلافة الراشدة.

 كما أن الجماعة تتبنى المدرسة الصوفية في المنهج التربوي التي تنبني على ثنائية الشيخ والمريد وهذا ما يعكس مركزية مرشد الجماعة على الصعيد التنظيمي، فهي أقرب إلى مؤسسة "الزاوية" من حيث الجوهر رغم الطابع التحديثي للتنظيم من حيث الشكل فالقرب من الشيخ ونيل رضاه وثقته ثم الكفاءة هما المعياران لتقلد المسؤوليات ثم تأتي الانتخابات لتزكي هذه المسؤوليات ومن هنا تأتي صعوبة تصنيف «جماعة العدل والإحسان» من الناحية التنظيمية لطابعها المركب، فلا هي بحزب سياسي محظ ولاهي بزاوية صوفية محظة.

تطرح الجماعة نفسها كحركة تغييرية تسعى إلى تغيير الوضع القائم مما هو عليه إلى واقع تراه الجماعة أفضل، كما أن الإصلاح الذي تنشده الجماعة ليس إصلاحا ترقيعيا بل جذريا وليس إصلاحا جزئيا بل شموليا وليس قطريا بل إقليميا، كما ترى أن الإصلاح لايأتي من الخارج بل من الداخل، من داخل الإنسان أولا ثم من داخل المجتمع أخيرا. ورؤية الجماعة للإصلاح ينطلق أولا من تشخيص الواقع المراد إصلاحه ووضع اليد على موطن الداء أولا ثم وضع العلاج ثانيا.

في التشخيص :

بالنسبة لتشخيص الواقع ترى الجماعة في شخص مرشدها، بضرورة امتلاك منهاج أولا لفهم الواقع وتغييره هذا المنهاج سمته "المنهاج النبوي" «فهو ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة تربية وتنظيما وزحفا ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها... ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء» وعلى ذكر هذا المنهاج فقد اتخذت الجماعة الحديث النبوي: "تكون النبوة فيكم ماشاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعهاثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة ثم سكت" (انتهى الحدث النبوي )  محورا لتفكيرها ومرشدا لخطواتها.

 من هذا الحديث استنبطت الجماعة أن الملك العاض و الملك الجبري جاء بعد الانكسار التاريخي الذي حول الخلافة إلى ملك واستمر الوضع إلى يومنا هذا، هذا الوضع الذي يصطلح عليه في الأدبيات السياسية والحقوقية بـ "الاستبداد السياسي" وتراه الجماعة سببا رئيسيا لكل المشاكل التي تتخبط فيها المجتمعات الإسلامية من فقر وأمية وفساد سياسي. ولتصحيح هذا الانكسار التاريخي سطَر مرشد الجماعة خطة سماها «المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا» حدد فيه معالم التغيير ومراحله وأسسه المنهجية والمذهبية والتنظيمية، واستعمال جهاز مفاهيمي ينطلق من أصالة المصطلح الإسلامي كتوصيف المجتمعات بأنها مجتمعات مفتونة وليست جاهلية واستعمال مصطلح القومة بدل الثورة، فالمعضلة الأساسية التي تتصدى لها الجماعة معضلة الإستبداد السياسي والمتمثل في غياب العدل والشورى، أما باقي الأزمات الأخرى (الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية .... فهي فرع الغياب العدل والشورى غياب العدل في الحكم و غياب العدل في توزيع الثروة والوصول إلى السلطة عن طريق الغلبة والشوكة.

فما هي أدوات الإصلاح ؟

بعد تحديد أولوية الأزمة السياسية في تغيب الأمة كمصدر لاختيار الحاكم عبر عملية البيعة الشرعية لا البيعة التاريخية وإزاحة الشريعة كمصدر للتشريع على مستوى الدولة تطرح جماعة العدل والإحسان لعملية الإصلاح السياسي مدخلين:
المدخل الأول في اتجاه الحاكم والمتمثل في دعوته إلى التوبة السياسية بتطبيق العدل في الحكم والقضاء ومحاربة الفساد الاقتصادي، المتمثل في الفوارق الاجتماعية الفاحشة، هذا المدخل عكسته كل من رسالة الإسلام أو الطوفان التي وجهها عبد السلام ياسين إلى الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1974 أو "مذكرة إلى من يهمه الأمر"، مع اختلاف في حدة اللهجة بين الرسالتين وهذا الأسلوب يندرج فيما يسمى بأسلوب النصيحة الأخلاقية والتي هي من مسؤولية العلماء اتجاه الحكام في التراث الإسلامي، كما أنه خطاب سياسي يتناسب مع حقل إمارة المؤمنين في النظام السياسي المغربي.

وأمام فشل هذه الوسيلة تنتقل الجماعة إلى أسلوب العمل المؤسساتي (المدخل الثاني) وهو المشاركة السياسية من حيث المبدأ ورغم أن الجماعة تتبنى الشورى كمطلب بدل الديمقراطية إلا أن قبولها بالديمقراطية كواقع راجع إلى أفضليتها على الاستبداد، إلا أنها تريدها ديمقراطية حقيقية لا مسرحا هزليا حسب تعبيرها، فالجماعة مستعدة للمشاركة في الانتخابات وفق شروط محددة منها نزاهة الانتخابات وحكومة منبثقة من صناديق الاقتراع قادرة على تطبيق برنامجا السياسي والاقتصادي ومسؤولة أمام الشعب، أي المشاركة السياسية في إطار نظام ديمقراطي حقيقي وليس شكلي.

 أما عدم مشاركتها الانتخابية في الظرف الحالي فهو راجع للأسباب التالية "دستور ممنوح،  فصل وهمي للسلط، ضعف الطابع المؤسساتي فيما يخص الأجهزة والمؤسسات، شخصنة السلطة، عدم توفر حد أدنى من ظروف العيش للناخب، غياب الحرية، انتشار الأمية، عدم حياد الإدارة غياب تعددية حقيقية، ضعف الفرقاء السياسي،النخبوية، الموسمية، ضعف الالتزام السياسي،ترسانة قانونية هشة، تحديد تاريخ الانتخابات،التماطل في سن التشريعات، الخضوع لتوازنات موضوعة سلفا.

ونظرا لغياب هذه الضمانات لمشاركة انتخابية فعالة وغياب نظام ديمقراطي حقيقي فضلت الجماعة إعلان تبني المشاركة السياسية من حيث المبدأ ونبذ العنف والسرية والتعامل مع الخارج، هذه المشاركة التي تتجلى في إصدار بيانات والقيام بمسيرات وموائد حوارية لإسماع صوتها، وهو ماتسميه بخط القومة وهذا يستوجب عملا جماهيريا نطرق كل الأبواب المؤدية إليه بحثا عن التواصل مع الشعب قصد كشف حقيقة الواقع وحقيقة المسؤولين عنه لاستكمال شروط القومة التي على رأسها أن يبلغ الغضب الشعبي مداه، ليتوج بالعصيان المدني» .

ولإعداد برنامج مفصل والخروج من العموميات بادرت الجماعة إلى تأسيس الدائرة السياسية سنة 1998 وهي تعمل على شكل مجموعات عمل أو لجان تعنى كل منها بمجال معين تبحث فيه، وتجمع المعطيات وتقوم بالدراسات اللازمة وتحلل وتستخلص النتائج، وتقدم المشورة وتهيء الاقتراحات قصد طرح برامج واقعية وبدائل في مختلف المجالات».

 وتعتقد الجماعة أنها لا تستطيع تغيير الأوضاع بمفردها أو بمفرد طرف آخر، فلا بد من التعاون ومن هنا طرحت الجماعة ما تسميه بالميثاق الإسلامي أو الميثاق الوطني على أرضية الإسلام، ميثاق جامع يلتقي حوله الفضلاء وذوو المروءات والإرادات الحرة لأن الأزمة أكبر من أي حزب أو حركة أو شخص مهما أهال عليه من هالة». و تكمن أهمية هذا المشروع في اعتباره المقدمة الضرورية للتغير المنشود فلابد من وجود قاعدة أساسية، قبل أي شيء. يتفق عليها السواد الأعظم. ويتولون حراستها من عبث العابثين وإفساد المارقين ويسعون متعاضدين لوضع بنودها موضع التنفيذ.

مجالات الإصلاح :

وفي انتظار إعداد برنامج مفصل تطرح الجماعة عناوين لهذا الإصلاح بشكل مركز، منشورة في موقع الجماعة على الانترنيت وهي كما يلي :

في الشأن السياسي

العمل من أجل تطهير عقد رابطة "البيعة" الإسلامية من كل العناصر التي تحيلها عادة موروثة وطقسا جبريا مفروضا، والرجوع بها إلى أصلها الإيماني/ السياسي الشرعي الذي يجعلها ميثاقا غليظا، وأمانة عظيمة، ومسؤولية ثقيلة، وعقدا مشروطا.

السعي من أجل وضع دستور ينظم أمرنا يكون منبثقا من إرادة الأمة مصادقا على بنوده في ضوء النهار، باختيارها ورضاها وتجاوز عهد الدساتير الممنوحة التي يحل فيها المانح نفسه مرتبة أعلى من الدستور والقانون يأمر وينهي من غير حسيب ولا رقيب .

العمل من أجل وضع مواثيق وسن قوانين تنزع كل أشكال العصمة والقداسة عن الأشخاص والمؤسسات والهيآت والمسؤوليات السياسية وغير أولئك مما يؤول فيه أمر الاختيار والقرار إلى الرأي والاجتهاد والترجيح وتثبت حق الأمة في نقد سياسات الحكام ومراجعتها وتغييرها.

العمل من أجل وضع مواثيق وقوانين تبين حقوق المواطن في السياسة والإعلام والاقتصاد وغيرها من المجالات، وتحفظ له حريته في الاختيار بعيدا عن كل أشكال الضغط والوصاية والإرهاب والابتزاز.

 العمل من أجل ميثاق وطني يصون للقضاء استقلاليته وحريته، وذلك من أجل ترسيخ العدل وصيانة الحقوق وزجر كل أشكال الظلم والاستغلال والتسلط.

العمل من أجل سن قوانين تصدق إسلامية الدولة والمجتمع، إيمانا وعملا وتربية وسلوكا، وأخلاقا وآدابا لا شعارا وشكلا وتزويرا وتمويها.

السعي إلى بناء مجتمع إسلامي تسوده روح الأخوة والتكافل، يقوم اقتصاده على مبادئ العلم والعمل والكسب الحلال وتكافئ الفرص والنصفة في توزيع الثروات وغير ذلك مما شأنه الإسهام في تهيئ المناخ اللازم لصون كرامة المواطن وحماية حقوقه ضد كل أنواع الاستغلال والاستعباد والإذلال.

 إن الأزمة السياسية الممثلة في غياب الشورى / الديمقراطية الحقيقية تعتبر عقدة العقد بالنسبة لجماعة العدل والإحسان فإن حلت هذه العقدة تبعتها العقد الأخرى، لهذا ركزت في خطابها على الجانب السياسي ومخاطبة أعلى سلطة في البلاد إذ نرى غياب تنديد الجماعة بالمظاهر اللأخلاقية والانحراف والانحلال، فهي ترى في هذه المظاهر إفرازا للأزمة السياسية ونتيجة لها ومظهرا للمرض وليست هي المرض.

هذا عن الإصلاح وعلاقته بالداخل أما علاقة الإصلاح بالخارج وبالتحديد ما تطرحه الولايات المتحدة الأمريكية يقول فتح الله أرسلان» الناطق الرسمي باسم الجماعة:  على مستوى الشعارات المرفوعة مثل حقوق الإنسان والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وتعميم المعرفة.. فلا يمكن لسوي العقل أن يختلف فيها مع أحد، وهي متأصلة في ديننا ومتجذرة في قناعاتنا ومفصلة في مشروعنا. أما أن تكون هذه الشعارات معبرا للهيمنة على الصغار، وفرض نموذج الأقوى في السياسة والاجتماع والثقافة والعقيدة والأخلاق أو أن يتم باسمها التدخل المباشر في شئون الآخرين سياسيا وعسكريا فهذا نرفضه رفضا مطلقا، وهو لن يزيد الشقة إلا تباعدا، ويعمق الكراهية، ويهدد المصالح».

حزب العدالة والتنمية

"حزب العدالة والتنمية" هو الإسم الجديد لحزب «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية» الذي تأسس سنة 1967 على يد الدكتور عبد الكبير الخطيب بعد انفصاله عن «الحركة الشعبية» بقيادة محجوبي أحرضان، وعرف حزب العدالة والتنمية حيوية ونشاطا بعد انضمام اعضاء من "حركة التوحيد والإصلاح" إلى حزب الدكتور الخطيب سنة 1996 لممارسة العمل السياسي في إطار احترام الشروط الثلاث التي حددها الدكتور الخطيب وهي الملكية والإسلام ونبذ العنف.

شارك الحزب في انتخابات 14 نونبر 1997 التشريعية وفاز بأربعة عشر مقعدا وفي انتخابات 27 شتنبر 2002 على 42 مقعدا ومن يومها دخل الحزب دائرة الأضواء الإعلامية والسياسية وخلق جدلا واسعا امتد إلى شرعية وجوده خصوصا بعد أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية، وذلك لتبنيه علنا المرجعية الإسلامية في العمل السياسي وهوما اعتبرته جهات عديدة حزبية وجمعوية وإعلامية "بدعة" في العمل السياسي الحزبي المغربي.

يعتبر حزب العدالة والتنمية الجناح السياسي لـ "حركة التوحيد والإصلاح"، فبعد محاولة أعضاء من الحركة تأسيس "حزب التجديد الوطني" سنة 1992 والتي باءت بالفشل تم الالتحاق بحزب ح ش د د، ومن يومها بدأ التمايز بين الدور الوظيفي لكل من الهيأتين فالحركة بدأت تتجه إلى الدعوة والتربية والتكوين وتركت العمل السياسي والحزبي للحزب إلا أن الانتماء الموزع بين الحركة والحزب للأعضاء القياديين ولد التباسا لدى الرأي العام والطبقة السياسية بأن هناك خطابا مزدوجا فالجرعة الأخلاقية للحزب تفسر بأنها من تأثير علاقته العضوية والتبعية للحركة.

ونحن في هذه الورقة سنستعرض رؤية الحزب للإصلاح باعتباره حزب له برنامج ورؤية محددة خصوصا على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي مادام قد دخل المعترك الانتخابي لإصلاح ما يمكن إصلاحه من خلال إدارته للشأن العام عبر تسييره أو مشاركته في تسيير مجموعة من الجماعات المحلية أو من خلال قيادته للمعارضة النصوحة، سواء في فترة التناوب التوافقي أو في الفترة الحالية فما هي رؤيته للإصلاح ؟

ينطلق حزب العدالة والتنمية من مرجعية إسلامية سواء من حيث تشخيص الوضع وكذلك من حيث العلاج والإصلاح، و اعتماد المرجعية الإسلامية معناه أن يكون الإسلام منطلقا وإطارا لمختلف الاختيارات والاجتهادات السياسية وللمشاريع المجتمعية دون وصاية او النطق باسم الإسلام، ومن تم يعتبر الحزب نفسه حرباً سياسيا لا حزبا دينيا.

التشخيص :

قام الحزب انطلاقا بقراءة تشخيصية للواقع في مختلف جوانبه، ورصد مجموعة من الاختلالات وحدد مقاربته للإصلاحها نوجزها فيما يلي:

على المستوى الدستوري :

رغم تنصيص الدستور على إسلامية الدولة المغربية وعلى الصفة الدينية للملك حيث إن الملك هو أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين وأن النصوص الدينية المرتبطة بالدين غير قابلة للمراجعة فإن ذلك الوضوح في التأكيد على المرجعية الإسلامية للدولة حسب الحزب لم ينعكس على الحياة القانونية والتشريعية حيث بقيت مثل غيرها من المظاهر الاجتماعية والاقتصادية تهيمن عليها الازدواجية. أما مسألة الصلاحيات الواسعة للملكية فذلك راجع حسب الحزب إلى سبب الصراع السياسي بين الملكية وبعض القوى السياسية في بداية الستينات والذي تحول إلى صراع وجود مما أدى إلى اختيار ملكية ذات صلاحيات واسعة، وجعل قضية الإصلاح الدستوري تبقى مجال نقاش سياسي مستمر.

وبالنسبة للحزب فإن مطلب الإصلاح الدستوري يجب أن يتم بتوافق مع الملك من جهة وبموازاة إصلاح سياسي وحزبي وانتخابي من جهة أخرى.

على المستوى السياسي :

- بقاء مختلف الإصلاحات الدستورية والعمليات والاستحقاقات السياسية والانتخابية محكومة بهاجس التوازن السياسي من طرف الحكم وبهاجس تحديد صلاحيات الملكية من طرف القوى المعارضة.

- لجوء النظام إلى عدة آليات من أجل ضمان التوازن إلى جانب الية القمع والمواجهة ومنها الية صنع بعض النخب السياسية والحزبية واختراقها والية التدخل من أجل إنشاء الأحزاب والتدخل في الاستحقاقات الانتخابية وفي صناعة الخريطة السياسية.

- تفشي ظاهرة العزوف عن العمل السياسي والحزبي والتعاطي مع الاستحقاقات حتى صار العمل الحزبي عند البعض مقرونا بالوصولية والانتهازية.

 - تضخم ظاهرة الامتيازات ونشوء لوبيات مصلحية وانتعاش اقتصاد ريعي استفاد أصحابه من جو الصراع السياسي وحاجة النظام لنخب اقتصادية وسياسية موالية في مواجهة المعارضة الجذرية.

على المستوى الثقافي والتعليمي:

- إن المعاينة المتأنية للسياسات التعليمية التي اتبعت منذ الاستقلال إلى اليوم نجدها تتسم بالقصور في تحقيق تعميم التعليم ومحو الأمية واستمرار الازدواجية داخل نظام التعليم وتذبذب السياسة اللغوية والتغيير المتسارع والمتلاحق في المناهج والبرامج وسوء تسير الموارد المالية والبشرية لهذا القطاع وعدم تلاؤم محتويات نظام التربية والتكوين مع حاجيات سوق الشغل وقصور الجامعة المغربية في الاضطلاح بوظيفة البحث العلمي وتفاقم أزمتها البنيوية وضعف استقلاليتها ودمقرصة العلاقات داخلها وتراجع الحريات العامة بها.

- أما على المستوى الثقافي فقد تميزت السياسات الثقافية التي اتبعت منذ الاستقلال يضعف العناية بالثقافة الوطنية بمختلف روافدها الإسلامية والعربية والأمازيغية - لايزال القطاع الثقافي خارج سلم أولويات السياسات الحكومية ولم يرق إلى مستوى الاعتبار الملائم إذ أن المغرب لم يصل بعد إلى تخصيص نسبة ١٦ من الناتج الداخل الخام كنسبة متعارف عليها عالميا.

على المستوى الاقتصادي والاجتماعي:
- تبني الدولة اختيار نظام السوق . وتكرس دول الدولة كفاعل القتصادي لكن الصراع السياسي بين الدولة وبعض القوى السياسية كانت له نتائج كارثية على هذا الاختيار حيث تبلور مع الزمن اقتصاد رباعي ارتبطت به عدة مصالح ستتحول إلى لوبيات ضاغطة مقاومة للتكبير ومعيقة لمبادرات الإصلاح مما سيقود القتصاد البلاد إلى مستويات كارثية فرضت لجوء الدولة إلى سياسة التقويم الهيكلي وغنا كانت هذه السياسة قد مكنت من تصحيح التوازنات الاقتصادية العامة والاختلالات المالية وإقرار بعض الإصلاحات الهيكلية في أفق تقوية انفتاح المغرب وتأهيله للانخراط في مسلسل تحرير المبادلات التجارية فإنه قد كانت لذلك انعكاسات كبرى على عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية تجلت في : - - تفشي البطالة وتفاقمها وخاصة في أوساط الخريجين في الوسط الحضري في حسن يصل التشغيل في الوسط القروي تحت رحمة المتغيرات المناخية كما أن فرص الشغل في تراجع مستمر بسبب غیاب نمو اقتصادي مطرد وبسبب الاختلال في سوق الشغل بين العرض والطلب وعدم ملاءمة التكوين مع الحاجيات الوطنية.
- ضعف المقاولة المغربية على مستوى التمويل وعلى مستوى التأطير الأمر الذي جعلها غير قادرة على امتصاص الأعداد الهائلة المتدفقة على سوق الشغل .
- غياب مقاربة شمولية وعميقة لمعالجة معضلة البطالة، وتقلص فرص الشغل في ظل ضعف الاستثمار وقصور الإجراءات المتخذة في مجال تشجيع التشغيل الذاتي فضلا عن تفشي ظواهر المحسوبية والزبونية في التوظيف.
-  تدني مستوى الخدمات الصحية وهو ما يؤكده استمرار تفشي عدد من الأمراض المنقولة والمعدية وعودة بعضها الآخر إلى الظهور وضعف الرعاية الصحية الأساسية وضعف البنيات التحتية .
- فيما يتعلق بالمرأة والأسرة فعلى الرغم من المكاسب التي تحققت للمرأة في المغرب في عهد الاستقلال فإن أوضاع النساء ببلادنا ظلت تتسم على العموم بالدونية وتفشي الأمية والمعاناة الشديدة من وطأة التعسف وهضم الحقوق الشرعية والقانونية واستفحال الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي والجنسي وتزايد العنف في حقهن فضلا عن ضعف حضورهن في مراكز القرار السياسي ومن جهة أخرى أدى تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتفشي الفقر والتأثر ببعض القيم والمعايير الغربية إلى ظهور عقبات في وجه الزواج وتكوين الأسر وبوادر التفكك الأسري وتراجع الأدوار التربوية المنوطة بالأسرة كما بدأت تظهر بعض الظواهر الغربية عن المجتمع المغربي من مثل ضعف رعاية المسنين والعجزة.
بعد هذا التشخيص لقطاعات أساس داخل المجتمع، ماهي آليات الإصلاح كما يراها حزب العدالة والتنمية لتجاوز هذه الاختلالات.

المحددات : مرجعية الإصلاح

الأصالة :

وهي حسب تعريف الحزب أن تكو مشاريعنا في الإصلاح مستنبطة من المرجعـية الإسلامية وأن لاتكون اجتهاداتنا في مختلف المجالات متعارضة مع أحكامها ومقاصدها وأن تراعي البرامج التنموية الخصوصيات الثقافيـة والاجتماعية المغربية وتستفيد منها للتعبئة وراء مشروع تنموي ونهضوي شامل.

مجالات الإصلاح :

المجال الديني :

- ينبغي أن تبقى المساجد بعيدة عن الصراع الحزبي ومجسدة للإجماع ومجالا من مجالات لتأمين الأمن الروحي للمواطنين، وضرورة تفعيل مؤسسة العلماء للقيام بدورها كاملا غير منقوص والتأكيد على أن إضعاف دور العلماء أو التضييق عليهم خطأ كبير ومظنة خطر على الأمن الروحي ومدعاة لظهور الغلو الديني واللاديني المهددان لقيم المجتمع وأمنه واستقراره .

- تشجيع مبادرات المجتمع الأهلي في المجال الدعوي والتربوي حتى تسند جهود العلماء والمؤسسات الدينية الرسمية
سن البرامج التي تدعم التدين والأخلاق في المجتمع وتقيم أحكامه ومقاصده في مختلف المجالات.

المجال الدستوري والتشريعي


- إعطاء النصوص الدستورية المتعلقة بالإسلام مدلولها الفعلي وأثرها الملموس في جميع جوانب الحياة وسن نص صريح يقضي بأن الإسلام هو المصدر الأسمى لجميع التشريعات والقوانين واعتبار كل ما يتعارض معها لاغيا. كما أن مسألة الإصلاح الدستوري المرتبطة بصلاحيات الملكية ينبغي أن تتم في إطار من التوافق وليس في جو الصراع والمنازعة، وذلك لتحقيق توازن بين السلط وتمكين الحكومة من صلاحيات أوسع في وضع السياسات وتنفيذها وتقوية مؤسسة الوزير الأول وتعزيز الضمانات الدستورية لاستقلال القضاء وإصلاح النظام البرلماني بما يضمن فاعليته ويوسع سلطاته في ميدان التشريع وفي ميدان مراقبة لسلطة التنفيذية.

المجال السياسي :

- مواصلة عملية التأهيل والحزبي وذلك بمزيد من التطوير والإصلاح للنظام الانتخابي وتجاوز مظاهر الميوعة في الحياة الحزبية والسياسية.

- توطيد الحريات العامة بطي ملف الاعتقال السياسي ووضع كثير من الآليات القانونية والإدارية لتوسيع فضاء الحريات وصيانة الحق في المشاركة السياسية وتأسيس الجمعيات والأحزاب والحق في اختيار المسؤولين ومحاسبتهم والحق في شغر الوظائف العامة ... 

- تخليق الشأن العام لتحقيق الشفافية في تدبير الشأن العام ومحاصرة ظاهرة استغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة.

المجال الاقتصادي والتنموي:

- يعتبر الإنسان في منظور الحزب أساس لكل إصلاح منشود ومن تم ترى أن التنمية وجب أن تمس الإنسان في كافة ابعاده الروحية والفكرية والسلوكية ذلك هو المنطلق لتحقيق التنمية الشاملة في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 

- وجود تنمية حقيقية تنطلق من ضرورة بناء اقتصاد متكامل ومندمج يهدف إلىى سد الحاجيات الأساسية للمواطنين ويقيم التوازن بين القطاعين الخاص والعام في إطار يخدم المصلحة الوطنية ويمكن الجميع في المساهمة في دورة الانتاج والانخراط في مسلسل التنمية ويقوم على التدبير العقلاني والمناسب للثروات وعلى التوزيع العادل لها بين الإفراد والفئات وبين الإقاليم والجهات وبين البادية والمدينة هذه باختصار شديد رؤية الحزب المسالة الإصلاح وهي مسطرة بشكل مفصل في الورقة المذهبية المقدمة للمصادقة عليها في المؤتمر الخامس للحزب المنعقد في شهر أبريل 2004 بالرباط.

وإذا أردنا تحديد الإطار الذي يحدد هذه الرؤية الإصلاحية :
  1. الدفاع عن الهوية الإسلامية للمغرب ومواجهة الانحراف عنها.
  2. تخليق الحياة العامة ومقاومة أشكال الفساد الإداري.
  3. إصلاح التعليم. 
  4. النهوض بأوضاع المرأة والطفولة.
  5. الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان.
  6. دعم جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية والرقابة على العمل الحكومي.
  7. الإصلاح الانتخابي.
  8. مناصرة انتفاضة الشعب الفلسطيني ومناهضة التطبيع مع العدو الصهيوني.
  9. المتابعة الفعالة للسياسة الخارجية المغربية.
  10. تخليق وترشيد العمل البرلماني والتواصل الخارجي والعلاقة مع الدوائر النيابية.
خاتمة: إن مشاركة الحزب من خلال آلية العمل السياسي الحالي، ورؤيته للإصلاح وأدواته تؤكد الفارق بين رؤيتين للإصلاح داخل فصيلين للحركة الإسلامية المغربية فجماعة العدل والإحسان ترى لاجدوائية الإصلاح (كما تراه) من الداخل في الشروط والظروف الحالية، بينما حزب العدالة والتنمية يرى في مشاركته في «الإصلاح» من الداخل مساهمة في خلق تلك الظروف والشروط بدل انتظار تحققها إلى أجل غير مسمى.

هوامش :
- محمد ظریف - الإسلام الياسي في المغرب مقاربة وثائقية ص .316
- وجهت هذه المذكرة أثناء تخليد الذكرى العاشرة الحصار عبد السلام ياسين ليلة الجمعة 28 يناير 2000 «الحياة اليومية» عدد: 160 / الجمعة 27 شوال 1420هـ الموافق 4 فبراير 2000 أي وجهت المذكرة في عز الحصار !
- عبد السلام ياسين نظرات في الفقه والتاريخ ص 12 - رواه الإمام أحمد.
- عبد السلام ياسين نظرات في الفقه والتاريخ :ص 69
الدائرة السياسية - وثيقة حول المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية مرقع الجماعة على الانترنيت :www.aljamaa.com
- الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان موقع الجماعة على الأنترنيت.
- تصريح جديد للأستاذ فتح الله أرسلان موقع الجماعة.الأنترنيت
الدائرة السياسية الجماعة العدل والإحسان موقع الجماعة على من نحن ماذا تريد موقع الجماعة على الانترنيت حوار موقع www.islaonline.net
فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب حصيلة السنوات الخمس التزام وعطاء الولاية التشريعية .1997-2002


















تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المغرب والأمن السيبراني، الإطار التشريعي والمؤسساتي والاستراتيجي

المغرب والتحول الرقمي، الإطار التشريعي والمؤسساتي و الاستراتيجي

قانون حماية المعطيات الشخصية في المغرب وضرورة التحيين