المغرب نحو تقنين الذكاء الاصطناعي

المغرب نحو تقنين الذكاء الاصطناعي

المغرب والذكاء الاصطناعي

يعرف المغرب تحولا رقميا منذ اكثر من عقدين، دفعه إلى توفير بيئة رقمية على المستوى التشريعي والإداري والتنظيمي والتقني، تواكب هذا التحول لحماية الفضاء الرقمي المشترك على المستوى الداخلي الخارجي، وتقليص الفجوة الرقمية وتطوير الاقتصاد المغربي واندماجه فــي الاقتصــاد الرقمــي العالمــي و تطوير التكنولوجية الرقمية المغربية ومواجهة التحديات التي يطرحها هذا التحول.

ومن أكبر التحديات التي تطرحها التكنولوجيا الرقمية هو وضع إطار تشريعي لها، خصوصا الذكاء الاصطناعي نظرا لطابعه الغير المادي وللتشابك بين التكنولوجيا الرقمية والجانب القانوني والتشريعي، واختلاف السرعتين بين المجالين القانوني والتكنولوجي، وللتأثيرات والآثار التي تحدثها هذه التكنولوجية على حياة وأمن الأفراد والمجتمعات والدول، فتجميع البيانات الشخصية ومعالجتها دون إذن أصحابها تهدد الحياة الخاصة للأفراد، واختراق البنية التحتية المعلوماتية ونظم المعلومات يهدد استقرار الدول والمجتمعات.

في تعريف الذكاء الاصطناعي

يعتبر مفهوم الذكاء الاصطناعي من المفاهيم المعاصرة المعقدة نظرا لتطور أشكاله وأدواره وآثاره، إذ يشمل تقنيات وتطبيقات وأساليب ومدارس بحثية متنوعة. وللتبسيط يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي "على أنه أجهزة وبرمجيات وأنظمة قادرة على أداء مهام معرفية مشابهة للإنسان مثل الإدراك والتعلم وحل المشكلات واتخاذ القرارات" .(Recommendations Towards a National AI Strategy For Morocco Morocco AI )، ولهذا كان الإقبال عليه كبيرا، لإنجاز الأعمال وأتمتها.

المغرب والذكاء الاصطناعي

ولمواكبة التحول الرقمي وضع المغرب استراتيجيته في هذا المجال أسماها "المغرب الرقمي 2030"، تهدف إلى إنجاح تحوله الرقمي بشكل مسؤول وشفاف وآمن، يحترم القوانين و المعايير والضوابط والأخلاقيات المتعارف عليه دوليا في مجال الرقمنة، وتشمل استراتيجية المغرب الرقمي، على محور يتعلق بالذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى محاور أخرى.

وفي عام 2019، تم إطلاق برنامج "الخوارزمي" بميزانية قدرها 50 مليون درهم مخصصة لتمويل مشاريع البحث في الذكاء الاصطناعي. كما دعى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى جعل "الــذكاء الاصطناعــي أولويــة فــي ورش التحــول الرقمــي لبلدنــا بالنظر إلى أهميته البالغة بالنسبة للمخططات الاستراتيجية والاقتصادية" في تقريره الصـادر سـنة 2021 تحـت عنـوان "نحـو تحول رقمي مسؤول ومدمج".

ويعد المغرب من الدول السباقة والمستعدة للاستعمال الذكاء الاصطناعي، إذ يحتل المرتبة 88 عالمياً في التقرير الجديد حول مؤشر استعداد الحكومة للذكاء الاصطناعي. ويصنف في المرتبة الرابعة على مستوى القارة الأفريقيا حسب تقرير MoroccoAI تحت عنوان "التوصيات نحو استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي في المغرب".

بنيات وسياسات ومؤسسات الذكاء الصطناعي في المغرب

ولإرساء بنية مؤسساتية للذكاء الاصطناعي أسس المغرب مركزا لهذا الغرض، إذ تحتضن جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية UM6P المركز الدولي للذكاء الاصطناعي في المغرب أطلق عليه "AI Movement"، وهو قطب مختص في الذكاء الاصطناعي يهدف إلى تطوير وإبراز مهارات مغربية في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، كما يعتبر أداة لتنسيق وتعزيز مختلف الأنشطة المتعلقة بمجال الذكاء الاصطناعي، لجعل المغرب مركزًا إقليميًا في هذا المجال على الأصعدة الاستراتيجية والتعليمية والصناعية؛ ورافعة لاستباق ودعم التطورات والتحولات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، الهادفة إلى تقديم حلول مبتكرة وعملية ومرنة وأخلاقية للتحديات التي تواجه المجتمع والبيئة والسوق والاقتصاد التكنولوجيا.

كما انضم المغرب إلى مشروع تجريبي يهدف إلى تقييم جاهزيته للذكاء الاصطناعي من خلال منهجية محددة تُسمى Readiness Assessment Methodology (RAM) "منهجية تقييم الجاهزية". وقد سمحت هذه الخطوة بتحليل قطاع الذكاء الاصطناعي في المغرب، الذي أبرز فرص التنمية وآفاقها الواعدة وكذلك الفجوات، لا سيما على المستوى التنظيمي. وبهذا أصبح المغرب أول بلد في إفريقيا والعالم العربي ينجز هذا التقييم، مما يعكس رغبته والتزامه بتبني ذكاء اصطناعي شامل وأخلاقي. 

المغرب نحو تخليق وتقنين الذكاء الاصطناعي

منذ ظهور الذكاء الاصطناعي واستعماله في شتى المجالات وتحقيقه لنجاحات باهرة، مـن قبيـل تطبيقات مولـدات النصـوص، ومنصـات الترجمـة الآليـة أو أنظمـة التعـرف علـى الصـور، بدأ الحديث عن وضع ضوابط وقواعد لاستعماله بشكل آمن ومسؤول، وفي هذا الإطار وضعت اليونسكو مجموعة من التوصيات والأخلاقيات لضبط استعمال الذكاء الاصطناعي. 

وفي 24 مارس 2022، كان المغرب من بين أول البلدان التي أعلنت عن تنفيذ توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (IA)، خلال الدورة الحادية والسبعين للمؤتمر العام لليونسكو، التي عُقدت في نوفمبر 2021 في باريس.
وتهدف هذه التوصية إلى استغلال الفرص التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي للمجتمع، مع تقليل المخاطر المرتبطة بذلك، مما يعزز حماية حقوق الإنسان ويساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما تتناول القضايا المتعلقة بالشفافية والمسؤولية وحماية البيانات الشخصية.

ويطرح استعمال الذكاء الاصطناعي عدة إشكالات أخلاقية وقانونية واجتماعية، تتعلق بحماية البيانات الشخصية والحياة الخاصة، وحقوق الإنسان، وحقوق المؤلف والملكية الفكرية والصناعية، وتهديد سوق الشغل واليد العاملة مما يتطلب الاسـتغلال الأمثـل للإمكانـيات التـي يتيحهـا الـذكاء االصطناعـي بالمـوازاة مـع تقليـص مخاطـره الرئيسـية في أفق بلــورة اســتراتيجية وطنيــة تدمــج الأبعــاد الأخلاقية والاقتصاديــة والاجتماعيــة والقانونية.

ووضع إطار قانوني للذكاء الاصطناعي وفق مقاربة تدبير المخاطر، من شأنه الإجابة على الإشكالات القانونية والاجتماعية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي وعلى القانون معالجتها، منها الطابع الغير المادي للذكاء الاصطناعي، و غياب الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي التي تترتب عليها المسؤوليات المدنية والجنائية في حالة الضرر الناتج عن تطبيقة ومن المسؤول والجهة المعنية بالتعويض، بالإضافة إلى خطر الاعتداء على الملكية الفكرية، ومسألة برمجة الخوارزميات وشفافييتها وحيادها وتأثيرها في اتخاذ قرارات قد تسبب أضرار خصوصا في مجال الطب والصحة والإحصاء....إلخ، حتى تتمكن الدول من توظيـف الـذكاء الاصطناعـي بشـكل آمـن ومسـؤول ومقنن.

كما ينبغي مراجعة وتحيين مجموعة من القوانين المرتبطة بحماية المعطيات سواء المعطيات الشخصية التي ينظمها قانون 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين ازاء معالجة المعطيات الشخصية، أو المعطيات الغير الشخصية و المعطيات الحساسة التي ينظمها قانون 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، وغيرها من القوانين.

خلاصة:يعد وضع إطار تشريعي للذكاء الاصطناعي ضرورة أخلاقية وقانونية واجتماعية، لضمان استعماله بشكل آمن ومؤمن ومسؤول، ووضع ضوابط وأخلاقيات تجمع بين حماية الإنسان وحماية الإبداع في نفس الوقت، والبحث عن توازن بين الابتكار والتقنين بين ما هو إنساني وماهو آلي، للالتحاق بركب الدول التي قننت الذكاء الاصطناعي كالنظام الأوروبي للذكاء الاصطناعي EU AI Act الذي في يونيو 2024، والاتفاقية الإطارية الأخيرة لمجلس أوروبا فـي مـاي 2024 حول الذكاء الاصطناعي وهي أول اتفاقية دولية ملزمة التي تتعلـق بالـذكاء االصطناعـي وحقـوق الإنسـان والديمقراطيـة ودولة القانـون.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المغرب والأمن السيبراني، الإطار التشريعي والمؤسساتي والاستراتيجي

المغرب والتحول الرقمي، الإطار التشريعي والمؤسساتي و الاستراتيجي

قانون حماية المعطيات الشخصية في المغرب وضرورة التحيين