سورية بعد سقوط بشار الأسد، مخاوف وتحديات
سوريا بعد سقوط بشار الأسد
عرفت سورية في الثامن من ديسمبر 2024 سقوط نظام بشار الأسد، وفراره إلى روسيا، بعد أكثر من عقد من انطلاق الثورة السورية ضمن موجات ما سمي بالربيع العربي سنة 2010، وبعد سقوط رأس النظام السوري تسلمت "هيأة تحرير الشام" التي تحولت إلى "قيادة إدارة العمليات" مقاليد الأمور في سورية، وتستعرض هذه الورقة مجموعة من الملاحظات و المخاوف والتحديات التي تعرفها سورية بعد هذا الحدث الجيوسياسي والذي ستكون له تداعيات على منطقة الشرق الأوسط.
سقوط بشار الأسد ملاحظات أولية
1 أول ملاحظة يمكن تسجيلها حول الثورة السورية، هو الطابع الفجائي لسقوط بشار الأسد وبسرعة قصوى (11 يوما) وفراره إلى روسيا ويذكرنا بما حدث سنة 2011 فيما سمي بالربيع العربي، إذ سقط أربع رؤساء عرب في تونس وليبيا ومصر واليمن، ولم يكن أحد يتنبأ بهذا الحدث حينها، واستغرقت الثورة السورية أكثر من عشر سنوات حتى ظن أنها فشلت، بسبب دخول أطراف إقليمية ودولية لدعم النظام السوري الذي أوشك على السقوط.
2 عودة الثورة السورية و"نجاحها" في إسقاط رأس النظام يؤكد الطابع التموجي لدروات التغيير والثورات في العالم العربي، وهذا أشبه بالبراكين النشطة وغير النشطة، لا أحد يعرف متى ستنفجر بفعل الضغط الداخلي وتفاعل العوامل الداخلية والخارجية، وهذا ما تجلى في استئناف موجات "الربيع العربي" في السودان سنة 2018 بسقوط عمر البشير ودخول السودان في أتون الحرب الأهلية بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، وجاءت "الموجة الثالثة" في سورية هذه المرة.
3 لقد تأكد دور العامل الخارجي الإقليمي أو الدولي أو هما معا فيما حدث في سورية، سواء في بقاء الاستبداد أو إسقاطه، وفي إنجاح التحول الديمقراطي أو إفشاله وإجهاضه، فدخول روسيا سنة 2015بطائرتها الحربية وقصفها الجوي للثوار وحماية نظام بشار الأسد ديبلوماسيا من طرف روسيا والصين العضوين الدائمين في مجلس الأمن كان عاملا في بقاء نظام بشار الأسد (استعمال حق الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن التي تدين سورية) كما أن انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا.
من جانب آخر أضعف جبهة الإسناد الخارجي للنظام السوري وأدى إلى سقوطه، ونفس الأمر يقال عن إيران وحزب الله اللذان دخلا في مواجهة مع إسرائيل، يضاف إلى ذلك العقوبات الاقتصادية، الشيء الذي أثر على وضعية الحيش المادية والاجتماعية وقانون قيصر والقصف الإسرائيلي كلها عجلت بسقوط النظام السوري وعبَّد الطريق للمعارضة السورية للزحف نحو دمشق بسرعة قياسية، وفرار بشار الأسد إلى روسيا.
4 هل يؤدي سقوط رأس النظام السوري "بشار الأسد" إلى سقوط النظام وبنياته العميقة من أجهزة أمنية وشبيحة ومخابرات عسكرية ومدنية داخلية وخارجية، أم يحدث العكس كما حدث في تونس ومصر وعودة النظام القديم و يعاد تكييفه وفق معطيات جديدة، ويجدد استبداده بأدوات جديدة ووجوه جديدة بدعم خارجي إقليمي أو دولي أو هما معا، والتجربة التونسية والمصرية والسودانية مفيدة في هذا الباب فيما سمي بالخريف العربي.
5 في الوقت الذي كان الشعب السوري فرحا بالتخلص من الاستبداد وانشغال الرأي العام السوري والدولي بصور السجون والمعتقلات وإطلاق المعتقلين والسجينات، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يقصف سوريا واحتلال أراضيها وتجريف المواقع العسكرية في جبل الشيخ والقنيطرة ودرعا، وضرب قدرات الجيش السوري العسكرية الجوية والبرية والبحرية وقصف مخازن الأسلحة، وتدمير مراكز البحوث العلمية والبنيات التحتية من مطارات وقواعد جوية، أمام أنظار المجتمع الدولي ومجلس الأمن والأمم المتحدة,
وهذا السلوك العدواني من قبل الاحتلال الإسرائيلي أكد أكذوبة ورواية "الدفاع عن النفس" التي تروجها الدعاية الصهيونية والغربية الموالية لها، على أن إسرائيل تدافع عن نفسها ضد هجمات المقاومة الفلسطينية (حماس ) في 7 أكتوبر، وتؤكد عدوانية المشروع الصهيوني وتمدده وتوسعه في الشرق الأوسط كلما سنحت له الفرصة بذلك.
6 هذا الهجوم الإسرائيلي واحتلال الأراضي السورية وإلغاء اتفاقية "فض الاشتباك" التي تفصل بين الحدود الإسرائيلية والسورية وتحدد "المنطقة العازلة" بموجب اتفاقية فض الاشتباك لسنة 1974 التي أبرمها الطرفان عقب حرب أكتوبر 1973 بوساطة أمريكية أممية، كل هذه التحركات الإسرائيلية يعكس حالة القلق الوجودي والعقدة الأمنية التي تعيشها إسرائيل، فهي تريد استباق الأحداث وضمان حماية أمنها من خلال فرض الأمر الواقع ثم فرض التطبيع عبر إبرام اتفاقية أمنية أو معاهدة "سلام" مع سوريا والتطبيع معها وتحييدها في القضية الفلسطينية، مقابل انسحابها من هذه الأراضي أو بعضها ورسم حدود آمنة لها، أما الجولان فقد أعلن "النتن ياهو" ضمه بشكل نهائي. مما يؤكد التحديات التي تواجهها الشعوب العربية والإسلامية وأنظمتها بوجود كيان مصطنع ومزروع هدفه تعطيل مسار الأمة والشعوب نحو التحرر والاستقرار والازدهار.
7 تأثير وتداعيات هذه الثورة على خرائط النفوذ الإقليمية والتحالفات والمحاور الإقليمية، فقد تراجع النفوذ الإيراني والروسي، ليحل محله النفوذ التركي الذي اعتبره بعض المحللين من أن تركيا الداعمة للثوار هي "الرابح الأكبر" في هذا التغيير، مما ينعكس إيجابا على الداخل التركي بعودة اللاجئين السوريين (3 ملايين) إلى سوريا، إذ كانت ورقة اللاجئين السوريين توظف من قبل معارضي أردوغان والأحزاب اليمينية التركية المعارضة لوجود اللاجئين السوريين في تركيا. وكذلك الخطر الآخر الذي يراه النظام التركي هو المسألة الكردية إذا قام الأكراد السوريين ببناء دولة داخل سوريا أو حكم ذاتي فيها (كما حدث مع الأكراد في العراق في إقليم كركوك) مما سيؤثر ويشكل خطرا على أمن تركيا الخارجي والداخلي من قبل "حزب العمال الكردستاني" PKK حسب النظام التركي، ولهذا يطالب أردوغان ويدعو ويؤكد على وحدة الأراضي السورية واستقرارها باعتبارها جزءا من الأمن القومي التركي.
8 ذهبت بعض التحليلات إلى وجود تأثير غير مباشر لتداعيات عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر2023 على ما حدث في سوريا، فمن خلال تصريح رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي "النتن ياهو" أن حربه على غزة أدى إلى سقوط النظام السوري وقطع الطريق على إمدادات حزب الله بالسلاح الذي يمر عبر سوريا في محاولة لتجيير هذا التحول لصالحه، في حين أن الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني أمام آلة القتل الوحشية الإسرائيلية المدعومة سياسيا وإعلاميا وعسكريا من قبل المحور الغربي الموالي لإسرائيل، هذا الصمود قدم نموذجا للشعب السوري، من خلال "وحدة المعاناة" قياسا على "وحدة الساحات" التي جمعت ما اصطلح عليه ب"محور المقاومة" (فلسطين لبنان العراق اليمين إيران).
9 تأكدت مرة أخرى ازدواجية المعايير الغربية وتناقضاتها مع شعارات حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فمعظم الزيارات الغربية إلى سوريا ولقاء قائد العمليات "أحمد الشرع" (أبو محمد الجولاني)كانت هذه الزيارات مصحوبة بإعطاء الدروس والإملاءات والاشتراطات للاعتراف بالنظام السوري الجديد، فمطالبة بعض الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا والاتحاد الأوروبي قيادة الثورة السورية باحترام الأقليات الدينية والقومية والطائفية (المسيحية والكردية والعلوية وغيرها) وحقوق المرأة في أي ترتيب سياسي قادم، في نفس الوقت الذي تجري فيه إبادة جماعية يومية في حق الشعب الفلسطيني بدعم غربي وعجز عربي وإسلامي وعالمي، يعكس من جديد عقلية الوصاية الغربية والكيل بمكيالين والمعايير المزدوجة التي أصبحت "متلازمة غربية".
سقوط بشار الأسد مخاوف وتحديات
10 من الصعب التكهن بما سيؤول إليه الوضع في سوريا نظرا للموقع الجيوسياسي لدولة سوريا، وتركيبتها الداخلية والأطراف الإقليمية الفاعلة والطامعة لدور وموقع في الساحة السورية، لأسباب متعددة، أمنية (إسرائيل وتركيا) وسياسية خوفا من تمدد الثورة السورية إلى شوارعها (الأردن، إيران، مصر، دول الخليج ) واقتصادية ( الغاز والموقع الجيو اقتصادي لسوريا) فهل ستتحول سوريا إلى رقعة شطرنج أو ساحة للاستقطابات الإقليمية والدولية بين محور سني-سني هذه المرة ممثلا في تركيا وقطر من جهة ومصر والسعودية والإمارات من جهة أخرى عبر تحريك فصائل المعارضة المحلية الداخلية كما حدث في ليبيا بين تركيا (الداعمة لحكومة الوفاق) والإمارات (الداعمة للجنرال حفتر) كما أشارت إلى ذلك بعض الأبحاث والتقارير أو حالة السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بالإضافة إلى الأطراف الدولية فرنسا وأمريكا من خلال حليفها الاستراتيجي إسرائيل، دون أن ننسى الدور الروسي (قاعدتين عسكريتين جوية وبرية في طرطوس واللاذقية) والصيني، وهذا ما سيجعل من سوريا ساحة تتنافس أو تتصارع فيها أطراف داخلية وخارجية إقليمية ودولية.
11 هناك تخوف من إفشال تجربة الانتقال الديمقراطي في سورية كما حدث في تونس ومصر والسودان وليبيا، لان نجاح الانتقال الديمقراطي في سوريا يشكل تهديدا لإسرائيل والأنظمة السلطوية وما يصطلح عليه بمحور الثورة المضادة التي تخاف من أي تحول ديمقراطي ناجح في المنطقة، فإسرائيل تتطلع إلى تقسيم سوريا في إطار شرق أوسط جديد، تلعب فيه "إسرائيل الكبرى" الدور المركزي كفاعل ولاعب رئيسي بدعم أمريكي في المنطقة، كما أن هناك ضغط غربي بدأ من خلال الإعلان عن الرفع التدريجي للعقوبات، وتعليق رفع العقوبات بشكل نهائي رهين بما سيقوم به النظام السوري.
وهناك خطر التنظيمات التكفيرية والجهادية كتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، التي قد يتم تفعيلها وتحريكها وفق أجندة وبدعم أطراف إقليمية ودولية (التدخل الخارجي والحرب الأهلية في حالة السودان مثلا)، بالإضافة إلى الملف الكردي الذي يتوزع بين مجموعة من الدول (سوريا، العراق، تركيا، ايران) وقد يتم توظيفه هو الآخر، فهناك خطر ثلاثي قد يهدد التجربة السورية الوليدة متمثل في الطغاة والغلاة والغزاة.

تعليقات
إرسال تعليق