الانتخابات التشريعية الفرنسية 2024 ، انتصار اليسار مع وقف التنفيذ

 الانتخابات التشريعية الفرنسية 2024

بعد ظهور نتائج الانتخابات الأوروبية بتاريخ 6 و9 يونيو2024، دعا الرئيس الفرنسي "إمانويل ماكرون" إلى حل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها كرد على تقدم اليمين المتطرف الفرنسي في هذه الانتخابات، وجرت هذه الانتخابات يومي 30 يونيو و7 يوليو 2024، وأفرزت نتائج هذه الانتخابات وضعية غير طبيعية للنظام السياسي الفرنسي.

السياق الداخلي والخارجي للانتخابات التشريعية الفرنسية 2024

تأتي هذه الانتخابات في سياق أوروبي يطبعه الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والسياسية على الشأن الداخلي الفرنسي، وفي ظل الولاية الثانية والنهائية للرئيس ماكرون رئيس "حزب النهضة"، كما كان لحرب غزة والقضية الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر حضور قوي في المشهد الإعلامي والحزبي وخلق استقطابا حادا بين مندَد بما فعلته حماس يوم السابع من أكتوبر 2023 ومندَد بما يفعله الاحتلال الإسرائيلي من إبادة جماعية على مرآى ومسمع من العالم، وعادت مسألة "معاداة السامية" إلى الواجهة السياسية والإعلامية، على خلفية ما يجري في فلسطين وغزة .

كما تأتي هذه الانتخابات وسط موجة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية، تتعلق بالتقاعد والقدرة الشرائية للمواطن الفرنسي والضرائب والإجهاض وموضوع الهجرة والأجانب المتعلقة بالهوية والإسلام والحجاب (العباية هذه المرة) والعلمانية والمناخ وهي المواضيع التي دارت حولها المناظرات التلفزية بين المرشحين والبرامج الحزبية والوعود والحملات الانتخابية.

معطيات انتخابية

تعد الانتخابات التشريعية السادس عشر في تاريخ الجمهورية الفرنسية،
577 داىرة انتخابية في مجموع التراب الفرنسي
للمرور إلى الدور الثاني ينبغي الحصول على 12.5% من نسبة المسجلين للمرور إلى الدور الثاني.

نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية 2024

أسفر الدور الثاني عن النتائج التالية:
- تحالف اليسار 178 مقعد
-معا (التحالف الرئاسي) 150 مقعد
-التجمع الوطني 125
-الجمهوريين 39 مقعد
وباقي المقاعد توزعت على مجموعات اليسار واليمين والوسط وغيرها الغير المنضوية للتحالفات الرئيسية الكبرى .

قراءة في نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية 2024

اليمين الفرنسي اشتغل على استراتيجية مقاومة الشيطنة التي يتعرض لها منذ مدة وذلك من خلال تغيير اسم الحزب من "حزب الجبهة الوطنية" إلى "حزب التجمع الوطني"، والانتقال من قيادة عائلة لوبن الاب والبنت، واختيار رئيس حزب شاب Jordan bardella يبلغ من العمر 28 وعشرين سنة you tuber ويحسن مخاطبة الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي () كما قام الحزب بتغيير بعض المواقف اتجاه بعض القضايا كقضية معاداة السامية، التهمة التي كانت تلاحقه واشتهر بها، ليحظى بنوع من المقبولية في بيئة تشكل قضية معاداة السامية عقيدتها السياسية والإعلامية، الآن يتم شيطنة "حزب فرنسا الأبية" وزعيمه "جان لوك ميلانشو".كذلك طور اليمين المتطرف من خطابه السياسي الذي بدأ يدمج مفردات حماية القدرة الشرائية والملفات الاجتماعية، لتعويم التوجه العنصري للحزب.

في نتائج ودلالات الانتخابات التشريعية الفرنسية 2024

أولى الملاحظات أن فوز اليمين المتطرف بالأغلبية المطلقة لم يتحقق بل لم يحصل حتى على الأغلبية النسبية وحل ثالثا بعد تحالف اليسار الذي احتل الرتبة الأولى والمعسكر الرئاسي الذي حل ثانيا، بخلاف استطلاعات الرأي والتوقعات التي كانت تمنحه الترتيب الأول بناء على مؤشر النتائج التي حصل عليها في الانتخابات الأوروبية، وهذه النتيجة شكلت المفاجأة الرئيسية في هذه الانتخابات.

ومن بين الأسباب التي أدت إلى تراجع اليمين المتطرف حسب بعض المحللين، التصريحات العنصرية التي أطلقها بعض مسؤولي الحزب والتي أضرت بصورته التي عمل على تحسينها وتجميلها مدة من الزمن في إ طار ما يسمى dédiabolisation أي التخلص من صفة الشيطنة التي تعرض لها إعلاميا من طرف خصومه، وكذلك تكتل اليسار والمعسكر الرئاسي على شكل تحالف ضمني في اتجاه قطع الطريق على اليمين المتطرف للحصول على الأغلبية المطلقة.ففي انتخابات الدور الثاني تم اعتماد استراتيجية الانسحاب بهدف قطع الطريق على انتصار اليمين المتطرف.

و كانت حرب غزة والقضية الفلسطينية حاضرة بشكل من الأشكال في هذه الانتخابات وأحد الأسباب المؤثرة وفي هذا الإطار دعا ميلانشو رئيس "حزب فرنسا الأبية" أنَ على فرنسا الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

خلاصة: 1هذه الانتخابات السابقة لأوانها التي أرادها الرئيس ماكرون كرهان للوضوح في المشهد السياسي والحزبي الفرنسي، خلقت وضعية زادت المشهد تعقيدا وفجرت التناقضات داخل كل معسكر.

2 نجاح اليمين المتطرف كان نسبيا فهو في تقدم، فمن 7مقاعد (سنة 2017) إلى 87 مقعد (سنة 2022) إلى 125 مقعد في هذه الانتخابات مما يعكس تقدمه كحزب واحد في مواجهة تكتلات وتحالفات مكونة من عدة أحزاب اتفقت على قطع الطريق عليه للوصول إلى قصر الإليزيه.

3عدم فوز اليمين المتطرف بالأغلبية المطلقة كما كان متوقعا خلف ارتياحا داخل فرنسا وخارجها، إذ يرى البعض في انتصار اليمين المتطرف لو فاز انتصارا لروسيا وللرئيس الروسي بوتين، بحكم التقارب والموقف من الحرب الروسية الأوكرانية (ويُتهم التجمع الوطني بتلقي أموال من روسيا).

4 أكدت هذه الانتخابات أن التشرذم يضعف اليسار، فتقارب الأحزاب اليسارية وتحالفها يزيد من قوتها، إلا أن هذا التحالف كان ظرفيا وآنيا ولم يكن استراتيجيا، إذ سرعان ما دب الخلاف بين مكوناته عند اختيار ممثلا عنه مرشحا لرئاسة الحكومة. كما كان لحرب غزة والموقف من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دورا في صعود حزب فرنسا الأبية وسببا لاتهامه بمعاداة السامية، إذ حصل هذا الأخير على الرتبة الأولى داخل تحالف اليسار رغم حملة الشيطنة التي تعرض لها خصوصا رئيس الحزب "جون لوك ميلانشو".

5 ويبقى الرهان على انتخابات 2027 الرئاسية والتشريعية، ومغادرة ماكرون للإليزيه لأنها الولاية الثانية والنهائية، ويبقى الخوف من صعود اليمين المتطرف إلى سدة الحكم سواء على مستوى الانتخابات الرئاسية أو الانتخابات التشريعية باق، فالمحرك لهذه الانتخابات هو الخوف على كل المستويات، الخوف على فرنسا من مزيد من الانحدار، والخوف السائد والمتبادل بين مكونات المشهد الحزبي، والخوف من الآخر (من المهاجرين والأجانب، من روسيا، من ترامب في حالة صعوده ...... ).






















تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المغرب والأمن السيبراني، الإطار التشريعي والمؤسساتي والاستراتيجي

المغرب والتحول الرقمي، الإطار التشريعي والمؤسساتي و الاستراتيجي

قانون حماية المعطيات الشخصية في المغرب وضرورة التحيين