في ذكرى رحيل المفكر المغربي محمد عابد الجابري مفكك العقل العربي
ذكرى رحيل محمد عابد الجابري
تحل الذكرى الرابعة عشر لوفاة ورحيل المفكر المغربي محمد عابد الجابري رحمه الله( توفي في 3 ماي 2010) وبمناسبة هذه الذكرى واستحضارا لروح الفقيد وفكره، نحاول في هذا المقال عرض بعض العناوين لبعض طروحاته والقضايا التي أثارها ولا زالت تحتفظ براهنيتها إلى اليوم. 
ويعتبر محمد عابد الجابري من المثقفين والمفكرين الكبار الذين عرفهم المغرب والعالم العربي والإسلامي ووصل صداه إلى العالم الغربي، إذ ترجمت بعض كتبه إلى بعض اللغات الأجنبية، كما أثرى المكتبة العربية بمساهمات ومشاريع فكرية وثقافية وسياسية تميزت بعمق الطرح ووضوح الرؤية وحس نقدي وصرامة منهجية، بلغت أكثر من عشرين كتابا بالإضافة إلى المقالات والحوارات والمحاضرات. كان إلى حد ما مفكرا عابرا للحدود المذهبية والطائفية، ولم يسجن نفسه في مدرسة أو اتجاه أيديولوجي معين.
انفتح على جميع المدارس والاتجاهات وتبنى المقاربة "الإبستمولوجية" في معالجته لنظم المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية والتي لازالت تفعل فعلها إلى اليوم ( البيان، والعرفان، والبرهان) كما فكك العقل السياسي العربي إلى ثلاثية "العقيدة، القبيلة، الغنيمة" والتي لازالت تستطبنها جميع التيارات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وجمع الجابري في شخصه بين صفة المفكر والمناضل والباحث والمدرس والصحفي والأكاديمي والمنظَر والناقد، كما تميزت كتاباته بانخراطها في صلب القضايا ذات الطابع النظري الإشكالي والعملي تهم قضايا العالم العربي والإسلامي، كقضية أو ثنائية “الأصالة والمعاصرة” التي شكلت العنوان الأبرز لقرن من الصراع الفكري والسجال الأيديولوجي بين مختلف التيارات اليسارية والقومية والليبرالية والإسلامية والسلفية والعلمانية، وشطرت المجتمعات العربية و الإسلامية إلى شطرين.
وكانت كتاباته وأفكاره تخلق جدلا واسعا في داخل المغرب وخارجه، لجدتها وخلخلتها للمسلَمات الفكرية والأيديلوجية لدى كل التيارات. تحدَث عن الديمقراطية وعن حقوق الإنسان وقضية المرأة وتطبيق الشريعة والحرية والتطرف والتكفير والإرهاب والتنمية والوحدة والتجزئة والقومية والعولمة وكل القضايا المصيرية وذات الاهتمام المشترك بين الشرق والغرب والمشرق والمغرب.
كان مثقفا عضويا ملتزما، فما أن يصدر كتابا من كتبه إلا ويكون له صدى بحجم الأفكار والقضايا التي يعالجها ويبسطها بأسلوبه “السهل الممتنع” والرؤية الاستشرافية لما سيحدث أو قد يحدث، وهذا ناتج عن قراءته للأحداث في صيرورتها الاجتماعية ونظامها الداخلي وتفاعلها مع محيطها، كما فعل بن خلدون في مقدمته وهو بالمناسبة من دارسي بن خلدون ومنتقديه والمعجبين به معا.
وفي هذه المناسبة نريد أن نستعرض بعض العناوين والقضايا التي أثارها الجابري بشكل مركز، وهي قضايا تندرج في إطار المشروع النهضوي الذي انخرط فيه الجابري والذي يهدف إلى تشخيص الداء ووصف الدواء للأعطاب الفكرية والمنهجية التي تؤزم الفكر والتفكير الذي ساد ويسود العالم العربي بمكوناته وتياراته ومدارسه الفكرية والمذهبية والسياسية ومن بين الحلول التي اقترحها وألحَ عليها لتجاوز هذه الأعطاب :"الكتلة التاريخية".
1- "الكتلة التاريخية" عند محمد عابد الجابري
2- محمد عابد الجابري و استراتيجية “التجديد من الداخل”
3-تأصيل عالمية حقوق الإنسان من داخل المرجعية الإسلامية
مع بروز الصحوة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي في بداية السبعينات من القرن الماضي وظهور الحركات الإسلامية كتيارات دينية وسياسية تحت مسمى “الإسلام السياسي” ملأت الساحة الفكرية والسياسية مكان التيارات اليسارية والقومية التي عرفت تراجعا ملحوظا منذ هزيمة 1967 لأسباب متعددة منها الذاتي ومنها الموضوعي، وحلَت “المرجعية الإسلامية” محل المرجعية الماركسية والاشتراكية والقومية في تفسير أسباب التقهقر والتخلف الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية.
وكان من بين الموضوعات التي حظيت باهتمام الجابري في هذا السياق هو "تأصيل"عالمية حقوق الإنسان والديمقراطية من داخل المرجعية الإسلامية ليخلص إلى أن حقوق الإنسان مسألة كونية لا خصوصية فيها وهو ما تطرق إليه في كتاب ”الديمقراطية وحقوق الإنسان” يقول في هذا الصدد ” إن ادعاء فلاسفة أوروبا “العالمية” لحقوق الإنسان، حقه في المساواة وما تفرع منها، ليس أمرا خاصا بالحضارة الأوروبية، وبالتالي فالأبعاد الثقافية الحضارية لحقوق الإنسان هي أبعاد إنسانية، تشترك في التعالي بها، فوق الواقع الثقافي الحضاري القائم، جميع الثقافات….وجميع الثقافات والحضارات تشترك في تأسيس هذه الدعوة على مرجعية تقدم نفسها على أنها البداية، والأصل، مثل حال الطبيعة، ودين الفطرة ”3 .
4-النقد المزدوج للتراث والثقافة الغربية
ما يميز محمد عابد الجابري أنه كان يمتلك حسا نقديا، فهو كان ينتقد المثقف السلفي والمثقف الليبرالي والمثقف القومي والمثقف اليساري بشكل أقرب إلى الموضوعية، فحسب الجابري أنه رغم اختلاف المرجعية بين هذه التيارات فإن عقلية التفكير واحدة ومنهجية التحليل واحدة، فكلهم ينطلقون من “سلف” ونموذج في الماضي أو الحاضر يرجعون إليه ويحتكمون إليه وهذه الطريقة في التفكير أو منهجية التحليل هي التي أدت إلى الأزمة الفكرية التي تعيشها هذه التيارات، وحوار الصمَ الذي يدور بينها.
5-العقلانية والديمقراطية كبديل لمطلب العلمانية
يعتبر مطلب العلمانية في الوطن العربي والإسلامي من أكثر القضايا إثارة للجدل بين التيارات الإسلامية والتيارات اليسارية والليبرالية والقومية على مدى القرن الماضي، لما تثيره العلمانية من حساسية اتجاه الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص لأنه الدين الغالب في المنطقة العربية والإسلامية، لقد برزت قضية العلمانية في العالم الإسلامي بعد الاحتكاك بالدول الغربية التي عرفت في تجربتها فصلا للدين عن الدولة وكان أحد الأسباب في نهضة أوروبا وتطورها لأنها تحررت من سيطرة الكنيسة ورجال الدين، هذه التجربة الأوروبية والغربية دفعت جزءا من النخب العربية ذات التوجه القومي والليبرالي واليساري إلى المطالبة باستنساخ تجربة الفصل بين الدين والدولة في العالم العربي والإسلامي حتى يتمكن من الخروج من التخلف واللحاق بركب الدول المتحضرة.
في حين يرى التيار الإسلامي ومفكريه أن التجربة الأوروبية لا علاقة لها بالتجربة الإسلامية إذ ليس في الإسلام كنيسة أو مؤسسة كهنوتية ناطقة باسم الله, وأن المسيحية ليست هي الإسلام وأن الإسلام دين ودولة، يهتم بكل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأمام هذا النقاش الفكري والأيديولوجي والسياسي.
ولهذا طالب الجابري الفكر العربي “بمراجعة مفاهيمه، بتدقيقها وجعل مضامينها مطابقة للحاجات الموضوعية المطروحة”. وفي رأي الجابري “أنه من الواجب استبعاد شعار “العلمانية” من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري “الديمقراطية” و “العقلانية” فهما اللذان يعبران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي: الديمقراطية تعني حفظ الحقوق، حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية، وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج”5 .
6- نقد طروحات محمد عابد الجابري وكتاباته
كانت كتابات الجابري وآراؤه تثير الجدل وردود الفعل في المشرق وداخل المغرب لدى المفكرين، ففي المشرق على سبيل المثال أصدر المفكر السوري جورج طرابيشي كتاب "نقد نقد العقل العربي، إشكاليات العقل العربي" يرد فيه على مشروع الجابري في نقد العقل العربي، وفي المغرب هناك اختلاف وتباين مع المفكران طه عبد الرحمان، و عبد الله العروي، وكانت هذه الانتقادات والحوارات تدور بين قمم فكرية ومدارس فكرية وأيديولوجية، كالحوار "بين المشرق والمغرب" الذي دار بين عابد الجابري والمفكر المصري حسن حنفي.
ومن أكثر الانتقادات التي وجهت لمشروع الجابري هو توظيفه لمفاهيم أجنبية وغربية المنشأ وإسقاطها على المنطقة العربية والإسلامية ودراسة التراث، وكذلك مفهوم "القطيعة الإبستمولوجية" بين المشرق والمغرب فيما يتعلق بالمنهج السينوي ( نسبة إلى فلسفة بن سينا ) والمنهج الرشدي ( نسبة إلى ابن رشد ) الذي أثار ردود فعل غاضبة لدى المشارقة، وقد ردَ الجابري على هذا النقد والانتقادات في كثير من حواراته وندواته .
هذه بعض العناوين لبعض القضايا والإشكاليات التي عالجها الجابري وأثارها و لا زالت تتفاعل في الساحة الفكرية والإعلامية والثقافية من المحيط إلى الخليج إلى يومنا هذا، استعرضناها على سبيل المثال لا الحصر والتذكير بها وبصاحبها وفاء لهذا الهرم الفكري الذي افتقدناه .
مراجع :1- د محمد عابد الجابري : المثقفون في الحضارة العربية، محنة ابن خلدون ونكبة ابن رشد، مركز دراسة الوحدة العربية الطبعة الثانية 2000/ ص : 16
2- د محمد عابد الجابري : مدخل إلى القرآن الكريم ج1 في التعريف بالقرآن، مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى 2006 :ص 15
3- د محمد عابد الجابري “الديمقراطية وحقوق الإنسان” مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى 1994 /ص 165
4- الدكتور محمد عابد الجابري : وجهة نظر ،نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر ، مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الخامسة 2015/ ص 98
5- نفس المرجع ص: 104
تعليقات
إرسال تعليق