حزب العدالة والتنمية وانتخابات 8 شتنبر 2021 ( الجزء 1 )

 حزب العدالة والتنمية وانتخابات 2021

د.حميد بحكاك*



تشكل سنة2021، سنة انتخابية بامتياز، إذ أجريت فيها الانتخابات بكل أنواعها من انتخاب اللجان الثنائية لموظفي القطاع العام وممثلي المأجورين في 16 يونيو 2021 وانتخاب الغرف المهنية في 6 غشت 2021 ثم الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية وانتخاب مجلس العمالات والأقاليم ثم انتخاب مجلس المستشارين، كما تعتبر الانتخابات التشريعية لسنة 2021 الانتخابات الثالثة منذ صدور دستور 2011 (و الحادية عشر منذ أول انتخابات تشريعية أجريت سنة 1963)، والسادسة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية منذ سنة 1997.


حزب العدالة والتنمية


وعرف العهد الجديد انتظام موعد الانتخابات وانعقادها في موعدها المحدد منذ اعتلاء الملك محمد السادس الحكم، فرغم الوضعية الوبائية التي يعرفها المغرب تقرر إجراؤها في موعدها 8 شتنبر 2021.

ومن مستجدات هذه المحطة الانتخابية، أن الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية ستجرى في يوم واحد هو 8 شتنبر 2021، ثم تليها انتخاب مجالس العمالات والأقاليم في يوم 21 شتنبر 2021 ثم تليها انتخابات مجلس المستشارين بتاريخ 5 أكتوبر 2021 .


حزب العدالة والتنمية، الرهان الانتخابي وهاجس المقاطعة الانتخابية

تراهن الدولة والأحزاب السياسية جميعا على نسبة مرتفعة للمشاركة الانتخابية والسياسية تصويتا وترشيحا، لما تعكسه نسبة المشاركة لمناخ الاستقرار ومنسوب الثقة في المؤسسات، وهذه العناصر تساهم في جلب الاستثمار المحرك لعجلة التنمية، والملاحظ في هذه الانتخابات غياب الاستقطاب الحاد بين الأحزاب، فحتى الاستقطاب الذي بدا بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار لم يكن بالمستوى الذي عرفته الانتخابات السابقة بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، لأن حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار يشكلان جزءا من التحالف الحكومي الذي قادا تجربة الولاية الأولى والثانية، فهما حزبان للأغلبية يتقاسمان الحصيلة الحكومية سلبا أو ايجابا، وبالتالي هذا الاستقطاب لا يهم سوى أعضاء الحزبين والمتعاطفين معهما، كما أن حزب التجمع الوطني للأحرار استفاد من أخطاء أو تكتيك "حزب الأصالة والمعاصرة" في عهد أمينه السابق إلياس عماري الذي كان يعلن أنه جاء لمواجهة الإسلاميين في إشارة لحزب العدالة والتنمية، بينما أمين عام حزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش صرح في بيانه بعد تصدره النتائج الانتخابية "لم نأت يوما لهذا الحزب لنواجه تيارا سياسيا أو حزبا معينا" مما يعني أنه استفاد من أخطاء غريمه السياسي حزب الأصالة والمعاصرة ، كما استفاد أيضا من نقاط "قوة حزب العدالة والتنمية" في العمل الميداني ك"قافلة المصباح" التي كان ينظمها الحزب في شهر مارس من كل سنة ، إذ نظّم حزب الأحرار حملة برنامج "100 يوم 100 مدينة"، كما استثمر واستعمل وسائل الاتصال الحديثة التي كانت تشكل نقاط القوة لحزب العدالة والتنمية .
كما عرفت هذه المحطة الانتخابية التحاق بعض المقاطعين للانتخابات السابقة ببعض الأحزاب، للمشاركة في هذه الانتخابات ك"جبهة العمل الأمازيغي" التي قطعت مع خيار المقاطعة الانتخابية، والتحقت بحزب التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، للدفاع عن الهوية واللغة الأمازيغية .

كما كان من نتائج تبني القاسم الانتخابي على أساس المسجلين أنه شجع الاحزاب الصغرى للمشاركة في هذه الاستحقاق الانتخابي ودفع أنصارها وأعضاءها إلى المشاركة الانتخابية. ورأينا أيضا دعوات مكثفة للمشاركة الانتخابية من قبل جهات متعددة وعلى رأسها نقابة الاتحاد المغربي للشغل (التي دعت إلى التصويت ضد أعداء الطبقة العاملة أو الشغيلة)، وفنانين ومثقفين وحتى الأمين العام السابق عبد الإله بن كيران دعا قبيل يوم الاقتراع دعا فيها إلى التصويت بكثافة وهاجم أصحاب خيار المقاطعة الانتخابية.

يضاف إلى ذلك أن إجراء الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية في يوم واحد ساهم في رفع نسبة المشاركة الانتخابية، وكذلك التركيز على استقطاب الأعيان بأصنافهم المختلفة من أصحاب المال ورؤساء الفرق الرياضية وبعض الفنانين وترشحهم أو ترشيحهم بحكم الرمزية التي يمثلونها وشبكة العلاقة التي يتوفرون عليها، بعد أن تراجع مفهوم الترشيح النضالي والالتزام الحزبي.

وإذا كان رفع نسبة المشاركة الانتخابية هو الرهان الرئيسي للجميع سلطة وأحزاب، فهناك رهانات جزئية حسب كل جهة، فرهان الأحزاب هو إسقاط "حزب العدالة والتنمية" انتخابيا، لاعتبارات حزبية تنافسية مشروعة، ورهان البعض الآخر هو الدخول أو العودة إلى البرلمان بعد حذف العتبة 3 في المائة واعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، ورهان حزب العدالة والتنمية هو الخروج بأقل الخسائر إن لم يفز بالرتبة الأولى.

المقاطعون

عرفت هذه الانتخابات مقاطعين لها كبعض الهيئات والتنظيمات التي لها مواقف سياسية من العملية الانتخابية برمتها ك"جماعة العدل والإحسان" الإسلامية و"حزب النهج الديمقراطي" اليساري، كما انطلقت دعوات المقاطعة في صفحات التواصل الاجتماعي. وبينما نزل أعضاء "حزب النهج الديمقراطي" إلى الشارع في بعض المناطق للدعوة إلى المقاطعة، اكتفت جماعة العدل والإحسان بمقاطعتها وتفسير موقفها من المقاطعة من خلال تنظيم ندوات وحوارات رقمية في موقعها الالكتروني .


انتخابات 2021 و نسبة المشاركة

بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات حسب وزارة الداخلية 50,18 % وهي نسبة متقدمة على المشاركة المسجلة سنة 2016 التي كانت في حدود 43 %، ويرجع هذا التقدم إلى مجموعة من العوامل منها إجراء انتخابات تشريعية وجهوية وجماعية في يوم واحد، وعودة الأعيان بقوة في هذه الانتخابات، والرغبة في التصويت لدى فئة عريضة من الشباب التي سجلت في اللوائح الانتخابية، واعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين الذي دفع الأحزاب الصغيرة وأنصارها إلى الترشيح والتصويت للظفر بمقعد انتخابي، كما أن استعمال المال الذي سجلته مجموعة من الأحزاب ونددت به، وسجله بعض المشاركين أثناء ملاحظة العملية الانتخابية في بعض المناطق تكون له مساهمة بنسبة ما في دفع الناخب إلى التصويت ورفع نسبة المشاركة .

حزب العدالة والتنمية والسياق الوطني والإقليمي والدولي

السياق الإقليمي

السياق الإقليمي تطبعه العلاقة المتوترة مع الجيران، وفي مقدمتها الجارة الجزائر التي أعلنت من جانب واحد قطع علاقتها الديبلوماسية مع المغرب بعد حرب كلامية ازدادت اشتعالا منذ اعتراف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بسيادة المغرب على صحرائه وما تبعها من إعادة العلاقة مع إسرائيل فيما سمي إعلاميا بالتطبيع مع اسرائيل، وإبرام معاهدة ثلاثية بين أمريكا والمغرب وإسرائيل وهو ما رأت فيه الجزائر "تهديدا لها" أو تريد أن ترى فيه تهديدا، تحوله إلى خطر خارجي يمنحها اليد الطولى في ضبط الحراك الاجتماعي والسياسي الداخلي واحتواء المخاطر الداخلية التي تهدد النظام العسكري في الجزائر.
وتشهد الجزائر حراكا شعبيا اندلع منذ أكثر من سنة يطالب بالإصلاح والديمقراطية، أما في تونس التي انطلق منها الربيع العربي سنة 2011 وشكلت النموذج الديمقراطي الذي مازال يقاوم محاولات النكوص من الداخل والخارج، وهو ما حدث مؤخرا من خلال القرارات الاستثنائية الجديدة التي أعلنها الرئيس قيس سعيد من تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه إلى أجل غير مسمى وشن حرب على الفساد ومواجهة مخاطر تهدد الدولة التونسية من الداخل والخارج حسب قوله.
كما عرفت العلاقة مع اسبانيا توترا على مع الجارة الإسبانية، ثم دخول الاتحاد الأوروبي على الخط من خلال انحيازه للموقف الإسباني بسبب الأحداث التي عرفتها سبتة ومليلية المحتلتين إذ اعتبر الاتحاد الأوروبي أن سبتة ومليلية جزء من التراب الإسباني، كما عرفت العلاقة مع ألمانيا بعض التوتر على خلفية قضية الصحراء .
اما السياق الدولي هو الآخر تطبعه جائحة كورونا التي فرضت أجندتها على العالم، كما عرف العالم انتخاب رئيس أمريكي جديد من الحزب الديمقراطي، وانسحاب أمريكي من أفغانستان وعودة طالبان بقوة إلى الحكم، وانتخابات فرنسية جهوية طبعتها نسبة عالية من العزوف، كما يشهد العالم التنافس والحرب الباردة بين أمريكا من جهة وروسا والصين من جهة أخرى تعيد تشكيل التحالفات الدولية، وبروز نظام دولي متعدد الأقطاب، ويبقى الحدث الأبرز الذي يحدد ويرتب أجندة دول العالم هو التهديد الوبائي لكوفيد 19.

السياق الوطني

تجري هذه الانتخابات في سياق وطني تطبعه جائحة كورونا التي مر عليها سنة ونصف، وهو السياق الأبرز والمؤثر،إذ أن الحملة الانتخابية التي يعول عليها كثيرا في التعامل المباشر مع الناخبين، ستجري وفق ضوابط وإجراءات احترازية كما حددتها دورية صادرة عن وزارة الداخلية، تدعو إلى احترام التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات واحترام العدد المسموح به في التجمعات والمهرجانات الخطابية ( لا يتجاوز العدد 24 فرد) وعدم توزيع المنشورات وعدم تجاوز 10 أفراد في الجولات الميدانية، مما دفع الحملة الانتخابية إلى الانتقال إلى العالم الافتراضي والقيام بحملة انتخابية الكترونية وافتراضية عبر فضاءات النت والشبكة العنكبوتية من خلال كبسولات بالصوت والصورة. كما أن جائحة كورونا تطرح تحديا برنامجيا على جميع الأحزاب، فيما يخص مقترحاتها حول تدبير هذه الجائحة وتأثيراتها على الأوضاع الاجتماعية، والتخفيف من تداعياتها النفسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، ومدى واقعية تحقيق الوعود الانتخابية في ظل وضعية وبائية تتطور بتطور المتحورات لكوفيد 19وسلالاته ولا يعرف لها نهاية على المدى المنظور، وما هي مقترحات الأحزاب لتأهيل المنظومة الصحية على مستوى العنصر البشري والبنية التحتية والبحث العلمي.

كما تأتي هذه الانتخابات بعد ولايتين حكوميتين قادها "حزب العدالة والتنمية" منذ سنة 2011 ،أي منذ انطلاق ما عرف بالربيع العربي أو الربيع الديمقراطي، الذي انتهى إلى نتائج دراماتيكية تراوحت بين الحرب الأهلية في بعض البلدان ( ليبيا، سوريا، اليمن ) أو التهديد بالحرب الأهلية كما يحدث في السودان بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير فيما سمي إعلاميا بالموجة الثانية للربيع العربي، وانقلاب على الشرعية الديمقراطية كما حدث في مصر، ومحاولة إجهاض التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس . مما جعل التجربة المغربية تحظى بالدراسة والمتابعة والتميز .

حزب العدالة والتنمية والتعديلات الانتخابية الجديدة

في كل محطة انتخابية يتجدَّد النقاش حول الآليات الانتخابية وجدواها من زاوية تجويد الديمقراطية ورفع نسبة المشاركة ومحاربة العزوف الانتخابي وعقلنة الحقل الحزبي والحد من البلقنة، فالتقطيع الانتخابي وتقسيم الدوائر والإشراف على العملية الانتخابية ومراجعة اللوائح الانتخابية والانتخاب باستعمال البطاقة الوطنية ورفع العتبة أو تقليصها واختيار نمط الاقتراع، من الاقتراع الفردي إلى الاقتراع اللائحي النسبي إلى الجمع بينهما، كل هذه الآليات أو بعضها شكَّلت مواضيع تتجدَّد قبيل كل موسم انتخابي، وتخلق استقطابا حادا بين الأحزاب السياسية معارضة وأغلبية، يمين ويسار، سواء المستفيدة والمتضررة من هذه الآليات وبين وزارة الداخلية باعتبارها المشرفة تقنيا وسياسيا وإداريا على العملية الانتخابية، مما جعل مطلب انتخاب هيئة مستقلة للإشراف على العملية الانتخابية مطلبا معلقا، هذا النقاش والجدل يتجدد في كل المحطات الانتخابية تشريعية كانت أو جماعية، مما أضر بالقوانين الانتخابية التي لم تعرف استقرارا وتتغير حسب كل محطة، كالعتبة التي نزلت من 6 % إلى 3 %، ليتم حذفها في هذه المحطة، ونفس الأمر تكرر في انتخابات 2021، هذه المرة مع موضوع جديد هو "القاسم الانتخابي" على أساس المسجلين وحذف العتبة، فالمعروف أنه في الانتخابات السابقة كان القاسم الانتخابي الذي على أساسه توزع المقاعد يتم احتسابه على أساس الأصوات الصحيحة المعبر عنها، ولكن القاسم الانتخابي في هذه المحطة سيتم تحديده على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية في كل دائرة انتخابية، سواء صوَّت الناخب المسجَل أم لم يصوِّت، وهو ما أثار نقاشا سياسيا ودستوريا وأكاديميا انخرط فيه الجميع بين معارض ومؤيد ومتفهم ومحايد.

وقد عارض "حزب العدالة والتنمية" هذا القاسم لأنه يرى فيه استهدافا له وتقليص قاعدته الانتخابية ويشجع على البلقنة الحزبية، كما أن هذا القاسم الانتخابي لم يرد في المذكرات الحزبية (المنشورة) في إطار الجولة الأولى للحوار وبدا مجهول المصدر حسب رأي الحزب إلى ان تبنته الأحزاب (7 أحزاب من الأغلبية والمعارضة) المؤيدة التي رأت فيه انتصارا للديمقراطية التمثيلية وبأنه يسمح للأحزاب الصغيرة أو الأحزاب الكبيرة التي تحولت إلى صغيرة بأن يكون لها حضور في البرلمان ، وتمَّ حسم الخلاف بالتصويت في مجلس النواب، فصوّت 162 نائب برلماني أغلبية ومعارضة لصالح التعديل بينما عارضه 104 نائب من "حزب العدالة والتنمية"، ولما رفع الأمر إلى المحكمة الدستورية أكدت المحكمة أن هذا التعديل غير مخالف للدستور .
ومن مستجدات التعديلات الانتخابية في هذه المحطة حذف العتبة التي كانت محددة في 3 في المائة، وحذف اللائحة الوطنية للنساء والشباب ( 60 مقعد للنساء و30 مقعد للشباب ) وتم تعويضها بالدوائر الجهوية ( 90 مقعد موزعة على جهات المملكة الإثنا عشر ) مع ضرورة ترشيح النساء كوكيلات في اللوائح في الجهات وغيرها من التعديلات التي يرمي بعضها إلى عقلنة الممارسة الانتخابية وتجويدها كتحديد حالات التنافي التي تمنع الجمع بين مجموعة من المسؤوليات الانتدابية ( بين عضوية البرلمان بمجلسيه ورئاسة مجالس الجهات والجماعات) حتى يتمكن المنتخب من التفرغ إما إلى العمل البرلماني أو العمل الجهوي والجماعي .يضاف إلى ذلك تنظيم الانتخابات الجماعية والجهوية والتشريعية في يوم واحد ساهم في ترشيد المجهودات لما تتطلبه من إمكانيات مالية وبشرية ولوجستية، في الوقت الذي تجري عملية التلقيح على قدم وساق .

انتخابات ممثلي المأجورين واللجان الثنائية : 16 يونيو 2021

تعتبر هذه الانتخابات أول محطة انتخابية لسنة 2021، وأجريت بتاريخ 16 يونيو 2021، وشاركت فيها النقابات والمستقلين، وأسفرت هذه الانتخابات عن تصدر "اللامنتمين" لنتائجها، ب 24429 مقعد ثم نقابة " الاتحاد المغربي للشغل" ب 7362 مقعد ،و"الاتحاد العام للشغالين بالمغرب" ب 5977 مقعد، و"الاتحاد الوطني للشغل" ب 2680 مقعد، "الفيدرالية الديمقراطية للشغل" ب 1326 مقعد، "المنظمة الديمقراطية للشغل" ب 560 مقعد. وتتوزع هذه المقاعد بين القطاع الخاص ( ممثلي المأجورين) و القطاع العام ( اللجان الثنائية المتساوية الأعضاء ).

وقد تمَّ تسليط الضوء إعلاميا على تصدر اللامنتمين لنتائج هذه الانتخابات وبفارق كبير مع باقي النقابات وما تعكسه من تحولات على مستوى العمل والانتماء النقابي، ونجاح "اللامنتمون" اعتبر تصويتا "عقابيا" ضد النقابات، وكذلك حظيت نتائج نقابة "الاتحاد الوطني للشغل" القريبة من "حزب العدالة والتنمية" باهتمام المراقبين، ذلك أنها لم تحصل على نسبة العتبة المحددة في 6 % التي تمنحها صفة النقابة الأكثر تمثيلية، إذ حصلت على نسبة 5.63 % والتي لا تؤهلها للمشاركة في جلسات الحوار الاجتماعي المقبلة، بينما حصلت سنة 2015 على 7.36 % وقد اعتبر البعض هذا التراجع مؤشر على توجه الناخب (الموظف والمأجور) للتصويت العقابي ضد الحزب باعتباره القائد للحكومة، بينما رأى البعض الآخر أن مستقبل نتائج الحزب في المحطة التشريعية المقبلة يرتبط بنسبة المشاركة والمقاطعة، فكلما انخفضت نسبة المشاركة الانتخابية ارتفعت حظوظ الحزب بالنجاح باعتبار أن الحزب يتوفر على كتلة ناخبة قارة حسب هذا الرأي.

انتخابات أعضاء الغرف المهنية 6 غشت 2021

وبتاريخ 6 غشت أجريت انتخابات أعضاء الغرف المهنية ( الغرف الفلاحية، غرف التجارة والصناعة والخدمات وغرف الصناعة التقليدية، وغرف الصيد البحري) لملء 2.230 مقعدا، وبلغ عدد الترشيحات المقدمة لهذه الانتخابات ما مجموعه 12.383، منها 9769 مرشح ينتمون إلى الأحزاب السياسية بسنبة 78,89 % مقابل 2614 بدون انتماء سياسي بنسبة 21,11 %.
وقد أسفرت نتائج هذه الانتخابات عن تصدر كل من "حزب التجمع الوطني للأحرار" ب 638 مقعد ثم "حزب الأصالة والمعاصرة" ب 363 ثم "حزب الاـستقلال" ب 359 مقعد، واللامنتمون ب 271 مقعد، بينما حصل "حزب العدالة والتنمية على" 50 مقعد (الرتبة التاسعة) .(المصدر http://www.elections.ma/)
وبينما قلَّل "حزب العدالة والتنمية" من أهمية هذه النتائج باعتبارها لا تشكل أهمية بالنسبة لرهانه الانتخابي لطبيعة قاعدتها الانتخابية المحدودة، ٍرأى فيها منافسو الحزب على أنها مؤشر لهزيمة انتخابية على المستوى التشريعي أو الجماعي أو هما معا .
وهذه الانتخابات المهنية لها أهمية خاصة بالنسبة لانتخاب مجلس المستشارين الذي يتكون حسب دستور 2011من 120 عضوا ينتخب 20 منهم من طرف الغرف المهنية و8 من طرف المنظمات المهنية للمشغلين الأكثر تمثيلة ( الاتحاد المغربي لمقاولات المغرب ) و20 عضوا يتم انتخابهم على الصعيد الوطني من طرف النقابات وممثلي المأجورين و72 يمثلون الجماعات الترابية .

السياق الداخلي لحزب العدالة والتنمية

1- تأتي هذه الانتخابات بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، وهو يقود الحكومة لولاية ثانية ولمدة 10 سنوات 2011 -2021 في إطار "تآلف حكومي" مكون من أحزاب سياسية بالإضافة إلى وزارات "السيادة" ( وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الإسلامية، وزارة الشؤون الخارجية، إدارة الدفاع الوطني، الأمانة العامة للحكومة )، كما يعتبر الحزب أن هذا الاستحقاق الانتخابي يتعلق بالولاية الثانية، لأن الولاية الأولى تم التصديق عليها انتخابيا عبر صناديق الاقتراع بإعادة انتخابه مرة ثانية سنة2015 و 2016 جماعيا وبرلمانيا إذ زاد من عدد مقاعده، مما يجعل الحزب يجد نفسه هذه المحطة في موقع الدفاع عن حصيلته كحزب وكقائد للحكومة أكثر من موقع طرحه وعرضه لبرنامج جديد ووعود انتخابية جديدة.

2- مدة ولاية الحزب لمرتين في قيادة الأغلبية الحكومية وما عرفته من تعديلات حكومية وتغييرات و إقالات، وما عرفه الحزب من هزات تنظيمية داخلية كإقالة رئيس الحكومة الاسبق عبد الإله بن كيران سنة 2017 بعد عملية البلوكاج الحكومي وتعيين الدكتور سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة مكانه، وما ترتب عنها من نقاش داخلي حول تجديد انتخابه لولاية ثالثة كأمين عام للحزب، وتباينت المواقف بين مؤيد ومعارض ووقع اصطفاف تنظيمي داخل الحزب كاد أن يهدده بالانشقاق، وجاءت محطة "الحوار الداخلي للحزب" وندواته جهويا ووطنيا لاحتواء هذه التداعيات ولكن إلى حين، ليتعرض الحزب إلى رجَّات تنظيمية أخرى مرتبطة بمواقف أخرى تتعلق بقانون الإطار حول التعليم وعلاقته بلغة تدريس المواد العلمية، دفعت الأمين العام السابق إلى توجيه انتقادات لرئيس الحكومة ومطالبته بتقديم استقالته، كل هذه الرجّات خلقت احتقانا داخليا، دفع بعض أعضاء الحزب بطرح أرضية أو ورقة "مبادرة النقد والتقييم" التي قدمتها شبيبة الحزب وبعض أعضاء الحزب ( 100 توقيع) والتي طالبت بعقد مؤتمر استثنائي لمناقشة الأوضاع الداخلية للحزب، ثم جاءت قضية التطبيع مع إسرائيل، التي اعتبرت في حينها قاصمة الظهر للحزب داخل أوساط الإسلاميين في المغرب وخارجه، مما دفع الأمين العام السابق عبد الإله بن كيران أن يتدخل على وجع السرعة ويوجه كلمة إلى أعضاء الحزب ودعوتهم بالتريث واستحضار مصلحة الدولة قبل مصلحة الحزب، ثم جاءت قضية تقنين القنب الهندي وما خلقته من تباين في المواقف وخروجها إلى العلن خصوصا بين قيادات العدالة من الصف الأول ( عبد الإله بن كيران، مصطفى الرميد، سعدي الدين العثماني، لحسن الدوادي ) ودفعت الأمين العام السابق إلى التهديد بتجميد عضويته في الحزب، كل هذه العناصر الذاتية (الوضع الداخلي للحزب ) والموضوعية (التجربة الحكومية لمدة عشر سنوات وحصيلتها، والمناخ الإقليمي المناهض للديمقراطية بشكل عام وتجارب الإسلاميين بشكل خاص ) ساهمت في إنهاك الحزب واستنزافه داخليا، وإن نجح في أن يتجنب التصدع التنظيمي والانشقاق الحزبي كما حدث لأحزاب سياسية مغربية عتيدة، ولم تقتصر هذه التداعيات على الحزب وأعضاء الحزب وإنما امتدت إلى قاعدته الانتخابية والمتعاطفين مع الحزب وحلفاؤه التي تجمعهم "شراكة استراتيجية" كحركة التوحيد والإصلاح .

3- تعتبر هذه المحطة محطة حساب مع "حزب العدالة والتنمية" أو "حكومة العدالة والتنمية" ، وهو حساب انتخابي يدور بين التصويت له أو ضده، بين المكافأة أو التصويت العقابي، فالحزب لا زال يعتبر أن حصيلته مشرفة كحزب وكحكومة وأنه لم يمس المال العام وذمته المالية نظيفة وكل من ثبت في حقه إخلال ما، يتخذ الحزب في حقه الإجراءات المناسبة، بينما ترى شريحة كبيرة من المواطنين عكس ذلك وأن الحزب مسؤول عن قرارات لاشعبية وتفقيرية بالإضافة إلى إجراءات الإغلاق المرتبطة بالتدابير الاحترازية والطوارئ الصحية وما ترتب عنها من مضاعفات مست جيوب شريحة من المواطنين، وأنه انتخب لتنفيذ وعوده وشعاراته، ورغم أن الحكومة مشكَّلة من مجموعة من الأحزاب وغير الأحزاب، إلا أن الملاحظ أن سهام النقد والمعارضة كانت تتوجه إلي "حزب العدالة والتنمية" وحده في الغالب الأعم إعلاميا وشعبيا، هل باعتباره "قائدا" للحكومة أو منسقا بين أعضائها، أوبا عتبار شعاراته ووعوده التي رفعها ووعد بها أثناء حملاته الانتخابية، ورفعه للمرجعية الإسلامية والتي تعتبر ملكا جماعيا لأغلبية المغاربة وليست خاصة بالحزب، مما يجعل من المحاسبة والمراقبة متعددة المستويات وتجعل الحساب عسيرا، فالبعض يحاسبه على شعاره الانتخابي "محاربة الفساد والاستبداد" الذي ينتمي إلى أجواء عشرين فبراير والربيع العربي الذي حمل الحزب إلى السلطة ومعه شعار "محاربة الفساد والاستبداد"، والبعض يحاسبه انطلاقا من المرجعية الإسلامية أو هما معا، ففي الولاية الأولى للحزب سنة 2011 صوتت عليه فئات لا تتقاسم معه المرجعية الإسلامية أملا في حدوث تغيير ما، مما جعل الحساب في نهاية الولاية الثانية عسيرا، سواء على مستوى سلوكيات أعضائه التي أثيرت إعلاميا وإن كانت تدخل في إطار حياتهم الخاصة، أو أجرة تقاعد الأمين العام السابق وما ناله من اهتمام إعلامي، أو على مستوى بعض القضايا المبدأية التي تمس ماهية الحزب وهويته الأيديولوجية للحزب (كقضية التطبيع مع إسرائيل، وفرنسة التعليم، وإغلاق المساجد في إطار الحجر الصحي وصلاة التراويح في رمضان، وتقنين القنب الهندي) وهذه القضايا وقعت في الولاية الثانية للحكومة 2016-2021، وإذا افترضنا أن الولاية الأولى تمت مكافأتها انتخابيا سنتي 2015 و2016 بإعادة انتخاب الحزب للمرة الثانية، وحقق تقدما في مقاعده البرلمانية والجماعية ، فهل ستنصب المحاسبة على الولاية الثانية التي قادها الدكتور سعد الدين العثماني .

حزب العدالة والتنمية والنتائج الانتخابية

أسفرت نتائج هذه الانتخابات التشريعية ومجلس الجهات والجماعات عن الأرقام التالية كما أعلنتها وزارة الداخلية

الأحزاب السياسية

النتائج التشريعية

مجالس الجماعات والمقاطعات

مجالس الجهات

نسبة المشاركة

حزب التجمع الوطني للأحرار

102

9995

196

 

 

 

 

 

 

50.18 %

حزب الاصالة والمعاصرة

86

6210

143

حزب الاستقلال

81

5600

144

حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

35

2415

48

حزب الحركة الشعبية

29

2253

47

حزب التقدم والاشتراكية

21

1532

29

حزب الاتحاد الدستوري

18

1626

30

حزب العدالة والتنمية

13

777

18

الاحزاب السياسية الأخرى

10

1525

23

 

نناقش في الجزء الثاني دلالات النتائج التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات .


* باحث في مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية



















المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المغرب والأمن السيبراني، الإطار التشريعي والمؤسساتي والاستراتيجي

المغرب والتحول الرقمي، الإطار التشريعي والمؤسساتي و الاستراتيجي

قانون حماية المعطيات الشخصية في المغرب وضرورة التحيين