حزب العدالة والتنمية ونتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 : قراءة في الدلالات (الجزء 2)
حزب العدالة والتنمية ونتائج انتخابات 8 شتنبر 2021
أسفرت نتائج هذه الانتخابات التشريعية ومجلس الجهات والجماعات عن الأرقام التالية كما أعلنتها وزارة الداخلية
حزب العدالة والتنمية ونزاهة انتخابات 8 شتنبر 2021
- تفاوتت تقييمات الملاحظين والمشاركين في الملاحظة الانتخابية حول نزاهة وشفافية هذه الانتخابات والظروف التي أجريت فيها، فبالنسبة لاستعمال المال فقد كان هناك شبه إجماع حول هذه الظاهرة مع تفاوت في تقييم حجمها وتأثيرها على النتائج بشكل عام، فقد صرح الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصر: "نعم نحن تقريبا أمام عملية شراء للفصل 47 من الدستور الذي يعين بمقتضاه الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر الانتخابات." ( تقرير المنتدى المدني الديمقراطية حول الملاحظة الانتخابية )ونفس الملاحظة سجلها كل من حزب العدالة والتنمية وحزب التقدم والاشتراكية ،والاشتراكي الوحد وفدرالية اليسار، كما جاء في بيانات هذه الأحزاب أثناء الحملة الانتخابية وبعد إعلان النتائج، أما المجلس الوطني لحقوق الإنسان فقد سجل أنه ".....توصل المجلس بفيديوهات وأوديوهات بإحدى المناطق يزعم مروجوها بتسجيلها لمرشحين يحاولون استمالة الناخبين عبر محاولة تقديم هبات ووعود، لم يستطع المجلس التحقق من صحتها، لكنه يبقى منشغلا بتسريب مراسلات. واستغرب المجلس من الاتهامات المتبادلة باستعمال المال خلال الحملة الانتخابية، خاصة بين أربعة أحزاب، ويؤكد على أهمية إعمال آليات الانتصاف التي يتيحها القانون لتعزيز مؤشرات نزاهة الانتخابات" وجاء في هذا التقرير ايضا حول حوادث العنف أنه "سجل ملاحظو المجلس استعمال العنف في 149 حالة، منها 21 حالات عنف جسدي ومادي في مجموعة من المناطق بالمملكة، فضلا عن مجموعة من حالات العنف اللفظي والمعنوي (السب والشتم والقذف) بين أنصار بعض المرشحين. ويرى المجلس أن هذه الحالات معزولة وعددها قليل مقارنة بعدد أنشطة الحملة" . (ملاحظات المجلس الأولية حول يوم الإقتراع الخاص بالانتخابات التشريعية والجهوية والمحلية (8 شتنبر 2021) / أنظر موقع المجلس )
وهناك نقطة سجلتها أغلب التقارير بإيجابية هو تنظيم هذه الانتخابات في وقتها المحدد رغم ظروف جائة كورونا، وهو ما يندرج في انتظامية الانتخابات التي اعتبرت عنوانا للمسار الديمقراطي الانتخابي في المغرب والاستقرار المؤسساتي التي ميزت العهد الجديد.
تقييم نتائج حزب العدالة والتنمية
ــــ النتائج التي حصل عليها "حزب العدالة والتنمية" كانت مفاجئة وخارج التوقعات، ليس بالنسبة لأعضاء الحزب وقيادته فقط بل خارج الحزب وخارج المغرب، فحتى خصوم الحزب وغير المتعاطفين معه وبعض المحللين والمتابعين للشأن السياسي والحزبي، كانوا يرشحونه صمن الأربعة الأوائل ولم يكونوا يتوقعون أن يحصل على هذه المرتبة المتدنية، التي انتقلت من 125 مقعد سنة 2016 إلى 13 مقعد سنة 2021، سيما وأنه غطى جميع الدوائر المحلية في الانتخابات التشريعية بنسبة مائة في المائة ومع ذلك حصل على 13 مقعد بوأه الصف الثامن، يضاف إلى ذلك هزيمة أمينه العام سعد الدين العثماني حسب النتائج المعلنة وهي هزيمة أكثر من رمزية، بخلاف نتائج الانتخابات الجماعية فالحزب لم يرشح سوى نصف العدد الذي رشحه سنة 2015، هذه النتيجة الصادمة علّق عليها الحزب في بيانه بأنها "نتائج غير مفهومة وغير منطقية ولا تعكس حقيقة الخريطة السياسية ببلادنا ولا موقع الحزب ومكانته في المشهد السياسي وحصيلته في تدبير الشأن العام المحلي والحكومي والتجاوب الواسع للمواطنين مع الحزب خلال الحملة الانتخابية"، أما أسبابها كما يراها الحزب فهي "الخروقات التي عرفتها هذه الاستحقاقات سواء في مرحلة الإعداد لها من خلال إدخال تعديلات في القوانين الانتخابية مست بجوهر الاختيار الديمقراطي إضافة إلى عمليات الترحال السياسي، أو ممارسة الضغط على مرشحي الحزب من قبل بعض رجال السلطة وبعض المنافسين وذلك من أجل ثنيهم عن الترشيح، وكذا من خلال الاستخدام المكثف للأموال وتوج ذلك بالتعسف ضدا على القانون بالامتناع عن تسليم المحاضر لممثلي الحزب، في عدد كبير من مكاتب الاقتراع وطرد بعضهم الآخر، علما أن المحاضر تعد الوسيلة الوحيدة التي تعكس حقيقة النتائج المحصل عليها"، إلا أن التساؤل المطروح : ألم تكن نفس الأسباب حاضرة في انتخابات 2015 الجماعية و 2016 التشريعية (باستثناء تسليم المحاضر الذي مكن الحزب يومها من إعلان نتائجه في خطوة استباقية) وبلغت ذروتها مع تنظيم مسيرة كبرى ضد الحزب قبيل يوم التصويت في مدينة الدار البيضاء والتي سميت إعلاميا بمسيرة "ولد زروال" والتي لم تتبناها أية جهة رسميا، أم أن هناك أسباب أخرى لتفسير هذا التدحرج الغير المتوقع .
- لقد غطت هذه الهزيمة الانتخابية إعلاميا على المستوى الداخلي والخارجي على انتصارات الأحزاب الأخرى التي تصدَّرت المشهد، واستقطبت هذه النتيجة اهتمامات الباحثين والمعلقين في الداخل والخارج فلا حديث إلا عن السقوط المدوي للحزب، كما تفاوتت التعليقات والتحليلات من حيث الموضوعية والتحليل السياسي التي تبحث في أسباب ومعنى هذه النتائج بعيدا عن خطاب التشفي والشماتة، وهذه الظاهرة (ظاهرة الاهتمام الإعلامي بحزب العدالة والتنمية) صاحبت تجربته الانتخابية منذ دخوله المجال السياسي والحزبي سنة 1997، سواء كان في المعارضة أو في الحكومة، كما لو كانت هناك قطبية حزبية سياسية، بين حزب العدالة والتنمية من جهة وبقية الأحزاب من جهة أخرى، وهو ما تجلى أيضا أثناء التصويت على القاسم الانتخابي، إذ عارضه حزب العدالة بينما صوت لصالحه 7 أحزب ( أغلبية ومعارضة ) .
ــــــ هذا التصويت لا يمكن وصفه في الظاهر سوى بالتصويت "العقابي" الذي مارسته الكتلة الناخبة التي شاركت في التصويت ضد الحزب، أو أنَّ كتلته وقاعدته الانتخابية القارة التي تساند الحزب في السراء والضراء وتحدث عنها الكثير تخلت عنه ولم تشارك وتصوت أصلا في هذه الانتخابات، وتركت الحزب وجها لوجه مع الكتلة الناخبة الغاضبة، وهذه الكتلة الناخبة التي كانت تصوت لصالح الحزب وفي مقدمتهم أعضاء حركة التوحيد والإصلاح التي تمثل النواة الصلبة والحركة الأم والتي لوحظ في هذه التجربة الحكومية، أنها أخذت مسافة واضحة مع الحزب من خلال إصدارها بيانات عارضت فيها قضية لغة التدريس الفرنسية، وقضية التطبيع، ولا شك أن هذا انعكس على مستقبل الحزب الانتخابي. ( تتكون القاعدة الانتخابية للحزب من أعضاء الحزب والمتعاطفين معه ومن جماعات ومجموعات إسلامية أخرى كحركة التوحيد والإصلاح وبعض السلفيين، وشباب الفايسبوك الذي كان يتعاطف مع الحزب أو مرتبط به والذي اطلق عليه إعلاميا "بالكتائب الإلكترونية") ، يضاف إلى ذلك دعوة الأمين العام السابق عبد الإله بن كيران قبيل الانتخابات الناخبين إلى التصويت بكثافة دون تحديد الحزب المستفيد من التصويت، مما يطرح أكثر من سؤال حول تبخر أصوات هذه الكتلة، وأين ذهب صوتها وتصويتها حتى لو افترضنا غياب الشفافية النسبية لهذه الانتخابات، أم أنها صوتت ضده في اتجاه أحزاب أخرى "لا حبا في زيد ولكن عقابا لعمرو"، أم أن سطوة الإعلام وجاذبية المال وشبكة الأعيان وامتداداتها الشعبية كذلك لعبت دورها في توجيه هذه التصويت بطريقة ناعمة.
ــــــ حزب التجمع الوطني للأحرار الذي تصدر هذه النتائج كان جزءا من التحالف الحكومي، فهو يتقاسم الحصيلة الحكومية مع حزب العدالة والتنمية الذي يجمعه معه "ميثاق الأغلبية"، مع أحزاب أخرى في الأغلبية ( “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و“الحركة الشعبية” و “الاتحاد الدستوري”.....) حصلت على مقاعد متقدمة على "حزب العدالة والتنمية" وبعضها حسن موقعه كالاتحاد الاشتراكي الذي انتقل من 20 مقعد سنة 2016 إلى 35 مقعد وحزب التقدم والاشتراكية الذي كان يعتبر حليفا موضوعيا لحزب العدالة والتنمية خصوصا في عهد الأمين العام للحزب عبد الإله بن كيران هو الآخر حسن موقعه الانتخابي، وهنا يطرح تساؤل حول "المنطق الديمقراطي لهذه النتائج"، فالأصل أن تفوز المعارضة ضد الأغلبية وليس الأغلبية ضد الأغلبية أو حزب أغلبي ضد حزب أغلبي يشاركه التجربة الحكومية بما لها وعليها، أو التصويت على حزب يساري كفيدرالية اليسار أو اليسار الاشتراكي الموحد الذي يدعو إلى ملكية برلمانية ويعارض التطبيع مع إسرائيل ولاختلافه وتعارضه الأيديولوجي مع "حزب العدالة والتنمية" ففي هذه الحالة يكون التصويت العقابي بمعناه الديمقراطي مفهوما، فكيف أصبح "التصويت العقابي" انتقائيا و"انتقاميا"، في الوقت الذي سجل التقرير العام للنموذج التنموي ملاحظته فيما يخص الإئتلافات الحكومية منذ 2011 والطابع الجماعي للمسؤولية الحكومية قائلا "فعلى الرغم من التوسع الملحوظ في سلطة واختصاصات الحكومة بموجب الدستور، اتسمت الائتلافات الحكومية المتتالية بتوترات متكررة وبدينامية سياسية لا تحفز بالشكل الكافي على التقاء الفاعلين حول تصور للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يضع المواطن في قلب الاهتمام ويسمح بتجسيد روح الدستور الجديد وقد ساهمت هذه الوضعية في إبطاء وتيرة الإصلاحات وفي خلق أجواء عميقة من عدم التقدم، في ظل ظروف يطبعها تباطؤ النمو الاقتصادي وتدهور جودة الخدمات العمومية" (ص 24 ) مما يجعل فرضية التصويت العقابي كعامل واحد ووحيد تطرح أكثر من علامة استفهام من حيث القيمة الاستدلالية والمنطق الديمقراطي المتعارف عليه، وهذا ما يضفي نوع من الغرائبية على الحقل السياسي والحزبي المغربي .
علاقة نتائج الانتخابات بولايتي حزب العدالة والتنمية
ــــــ إذا قارنا نتائج الولاية الأولى 2011 ـــــ 2016 التي بوأت حزب العدالة والتنمية رتبة متقدمة ( 127 مقعد ) ونتائج الولاية الثانية 2016 ـــــ 2021 ( 13 مقعد ) وهذا العدد بالمناسبة لا يمكنه من تشكيل فريق نيابي في مجلس النواب، هل يمكن القول أن أسباب هذا التراجع تكمن في هذه الولاية الثانية أو أنها بدأت في الولاية الثانية، وذلك منذ البلوكاج الحكومي الذي أطاح بالأمين العام السابق وجاء بسعد الدين العثماني باعتباره الرجل الثاني وأدخلت الحزب في دوامة من الأزمات الداخلية المتتالية أضعفته سيكولوجيا على مستوى العلاقة بين أعضائه "قيادة وقاعدة" وحتى بين أعضاء القيادة من الصف الأول، بمعنى اتساع دائرة الأزمة الداخلية أفقيا وعموديا وإن بقي الحزب متماسكا تنظيميا، وتبعتها إجراءات ومواقف مست ماهية الحزب وهويته الأيديولوجية واختياراته المذهبية ولا تخطئها العين وفي مقدمتها قضايا تتعلق بالمرجعية الإسلامية للحزب وليس فقط البرنامج الانتخابي الإجرائي والتدبيري، وتتطلب من الحزب موقفا مبدأيا لا تدبيرا ماليا حسب رأي بعض أعضاء الحزب والمتعاطفين معه، وعلى رأسها توقيع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، والمغرب عرف بالمسيرات المليونية المؤيدة للقضية الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني ويشكل الإسلاميون خزانها الجماهيري، وكذلك لغة التدريس وقضية تقنين القنب الهندي، يضاف إلى ذلك إغلاق المساجد أثناء الحجر الصحي ووقف صلاة التراويح في المساجد في رمضان رغم أن هذه الإجراءات اتخذت على المستوى الحكومي وفي إطار التدابير الوقائية والاحترازية وباستشارة اللجة العلمية، هذه القضايا مسَّت بصورته خارجيا لدى أعضائه والمتعاطفين معه ولم يعد لشعار المرجعية الإسلامية الذي يرفعه الحزب أي معنى في الوجدان الشعبي الإسلامي أو المسلم، بمعنى آخر هل انتقلت الأزمة الداخلية للحزب وامتدت إلى قاعدته الانتخابية "القارة" .
ــــــ إذا افترضنا أن الولاية الأولى 2011 ـــــ 2016 تحت قيادة الأمين العام السابق عبد الإله بن كيران تمَّت مكافأتها انتخابيا عبر صناديق الاقتراع من خلال النتائج التي حصل عليها تشريعيا ( 125 ) وجماعيا، رغم القرارات التي اتخذها من حذف المقاصة وإصلاح التقاعد، والولاية الثانية لسعد العثماني 2016 ــــــ 2021 حصلت على 13 مقعد، فهل شكل غياب الأمين العام السابق عن الحزب أحد أسباب هذه الهزيمة لما يملكه من قدرة تواصلية إذ كان يتواصل مع الشارع والمواطنين لشرح القرارات التي اتخذها بغض النظر عن صوابها أو خطئها، مما يعمق الخلاف الداخلي للحزب بين جناح بن كيران وجناح العثماني، بتحميل هذا الأخير مسؤولية هزيمة الحزب وهزيمة أمينه العام (في دائرة الرباط المحيط)، وهذا ما تؤكده مطالبة الأمين العام السابق للأمين العام اللاحق بالاستقالة، وهو ما تأكد بعد ظهور النتائج من خلال إعلان الأمانة استقالتها الجماعية والدعوة لعقد جلسة استثنائية للمجلس الوطني ( برلمان الحزب ) بتاريخ 18 شتنبر والدعوة إلى مؤتمر وطني استثنائي، وهو ما جاء أيضا في بلاغ جديد أصدره "تيار استعادة المبادرة" .
ـــــــ هذه النتائج تسائل الحزب وأدائه خلال الولاية الحكومية بعيدا عن التفسير المؤامراتي وجلد الذات، وتعزِّز مواقف الذين طالبوا الحزب من داخل الحزب بإجراء وقفة مع الذات والدفع بالحوار الداخلي الذي انطلق منذ سنة 2017 إلى مستويات أعلى دون خطوط حمراء، وهو ما عكسته "مبادرة النقد والتقييم" (التي وقعها 100 عضو من الحزب والشبيبة وطالبوا بعقد مؤتمر استثنائي)، والبحث عن العناصر الذاتية في هذا التراجع، وممارسة نقد ذاتي وإعادة قراءة خريطة التحولات المحلية وفهم سلوكيات وسيكولوجية الناخب المغربي وعدم الاعتماد على معطيات العالم الافتراضي من مواقع ومنتديات اجتماعية التي يجهل مصدرها وأهدافها (فمنذ سنة كانت هناك دعوة لمقاطعة محطات البنزين "إفريقيا" والماء المعدني "سيدي علي" وكلها في ملكية عزيز اخنوش الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، كما أن حزب الاتحاد الاشتراكي الذي عرف بأنه وراء قانون تكميم الأفواه وتعرض لحملة فيسبوكية يومها وهذين الحزبين حققا تقدما في هذه الانتخابات ) وقوة الأعيان الضاربة وشبكة علاقتها وخدمات القرب، والمقاربة التي اعتمدها الحزب في تدبير علاقته مع الناخبين والفاعلين السياسيين من أحزاب سياسية وأصحاب القرار والرؤية المؤطرة لهذه المرحلة، وتقديم تنازلات وتبرريها، وحدود وقدرات الحزب في تحقيق الوعود والبرامج ضمن الهوامش المتاحة له والإمكانات التي يملكها والصلاحيات الفعلية التي يتوفر عليها، والمؤثرات الإقليمية المناهضة لانتقال ديمقراطي حقيقي في المنطقة العربية والإسلامية بغض النظر عن الفائز فيها أكان إسلاميا أو يساريا أم ليبراليا .
ـــ هل فرضت هذه التجربة الحكومية على الحزب أن يتصرف بمنطق الدولة وإكراهاتها لا بمنطق الحزب الأيديولوجي، وهو ما تجلى في اتخاذ قرارات اعتبرت في نظر الكثيرين قرارات لا شعبية كحذف صندوق المقاصة وإصلاح التقاعد وهي ملفات لم تجرؤ الحكومات السابقة الاقتراب منها حسب دفوعات الحزب وكان الحزب يدرك نتائج تكلفتها السياسية والانتخابية على قاعدته الانتخابية، وقد صرح أمينه العام السابق واللاحق بذلك أكثر من مرة معللا ذلك أنه "يهمه مصلحة الوطن قبل مصلحة الحزب"، وأن الحزب مستعد للتضحية بشعبيته إن اقتضت الضرورة الوطنية ومصلحة البلاد ذلك، كما حدث اثناء توقيع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل التي فسَّر فيها هذا الموقف بأنه تصرَّف بمنطق الدولة لا بمنطق الحزب، في الوقت الذي يعتبر فيه الحزب القضية الفلسطينية قضية مركزية، صحيح أن الحزب لا زال يتبنى دعم القضية الفسلطينية وهذا ما تجلى في دعوة الحزب بعد ذلك حركة "حماس" الفلسطينية إلى المغرب مؤخرا، فهل هذه القرارات المؤلمة بالنسبة له ساهمت في الــتأثير بشكل كبير على شعبية الحزب وقاعدته الانتخابية ومصداقية شعاراته ووعوده على أعضائه والمتعاطفين معه وجمهور من المتابعين الذين كانوا يعلقون عليه أمل التغيير.
حزب العدالة والتنمية والتجربة الحكومية
ــــ تجربة حزب العدالة والتنمية أكملت دورتها السياسية والانتخابية من خلال مشاركته في المعارضة لأزيد من عشر سنوات ثم "إدارته" الشأن العام مدة ولايتين دامت عشر سنوات، فقد عاش جنة المعارضة وعاش لهيب السلطة، ُثم ذاق طعم الهزيمة الانتخابية المر بعد ان انتشى بانتصارات انتخابية، فزاوج بين الانتصار والانكسار، هل ستسهم هذه التجربة في صقل تجربته السياسية والحزبية في المعارضة والحكم، ومراجعة خطابه السياسي، ومقاربته للشأن العام، بعد احتكاكه عن قرب بالعمل السياسي والحزبي وقربه من مركز القرار وإدارته لدواليب الدولة والإدارة، وإدارته لتحالفات والدخول في مخاصمات كما هي طبيعة العمل الحزبي والحكومي، فهل سيدخل الحزب مرحلة تحيين مفاهيمه وتجديد خطابه السياسي ومفرداته، وتجديد عقله السياسي بما راكم من تجربة في التدبير الحكومي والعلاقة مع مكونات الحقل السياسي والحزبي، واستيعاب المعادلات الإقليمية والدولية التي تؤثر بشكل أو بآخر في الواضع الداخلي، ليخرج بنسخة جديدة، كما خرج سابقا من نسخة العمل التنظيمي السري إلى العمل العلني ُثم المشاركة السياسية والفصل التنظيمي بين الدعوي والحزبي، ثم المعارضة السياسية ثم المساندة النقدية، وهل استنفذت النسخة الحالية للحزب إمكاناته وأنهكته التجربة واستنزفت رصيده الشعبي وتوقف عن العقل السياسي عن التفكير ليحل محله منطق التبرير، أم لم تعد هناك حاجة للحزب كما كانت أثناء الربيع العربي وتهديداته، سيما وأن هناك مناخ إقليمي عربي معاد للانتقال الديمقراطي بشكل عام ولما يسميه "الاسلام السياسي" بشكل خاص باعتباره الرابح الأول من هذا الانتقال، ولما يشكله نجاح أي انتقال ديمقراطي حقيقي في المنطقة من تهديد لمصالح المستفيدين من غياب الديمقراطية في الداخل والخارج .لاشك أن الحزب مقبل على مرحلة جديدة، عنوانها إعادة قراءة التجربة بعقل جديد ومقاربة نقدية تقطع مع منهجية تغييب العنصر الذاتي وتضخيم العنصر الموضوعي في فهم ما جرى، والتحرر من النرجسية التي أضرَّت بتجربة اليسار المغربي وأعمته عن أخطائه.
ــــ التجربة المغربية في مشاركة الإسلاميين في العملية الانتخابية وقيادة الحكومة، تبقى متميزة على صعيد المنطقة، لأن تعامل الأنظمة في المنطقة المغاربية خاصة منذ التسعينات مع الحركات الإسلامية كان تعاملا استئصاليا، ففي تونس في عهدي بورقيبة وبن علي تمَّ التعامل مع حركة النهضة تعاملا أمنيا واستئصاليا، وحتى بعد الربيع العربي الذي أعاد حركة النهضة إلى الصدارة عبر الانتخابات، ها هي قرارات الرئيس التونسي الجديد تلمح إلى تحميل حركة النهضة مسؤولية تردي الأوضاع في تونس، وكذلك تعامل النظام العسكري في الجزائر مع نتائج انتخابات التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في بداية التسعينات من القرن الماضي كان استئصاليا وما عرفته الجزائر بالعشرية الدموية التي ذهب ضحيتها آلاف الجزائريين، وكذلك التهديد بقطع المساعدات الأمريكية على الفلسطينيين بعد فوز حركة حماس في انتخابات 2006 ، بينما تعامل النظام المغربي مع الإسلاميين الراغبين في المشاركة السياسية والانتخابية بمنطق الاستيعاب ( حزب العدالة والتنمية ) الذي بدأ مشاركته الانتخابية سنة 1997 وحاز على تسعة مقاعد عبر البوابة الانتخابية وتدرج في هذه المشاركة وانتقل من المعارضة الحزبية إلى قيادة الحكومة لولايتين، ثم خرج الآن من الحكومة إلى المعارضة عبر البوابة الانتخابية بثلاثة عشر مقعدا، فعاد من حيث بدأ بغض النظر عن طبيعة الأسباب أهي طبيعية أم مصطنعة أم متحكم فيها ويتفاوت فيها الذاتي والموضوعي نظرا لطول الولاية التي امتدت عشر سنوات في سابقة في تاريخ المغرب السياسي والانتخابي، وبغض عن العامل الخارجي ( الإقليمي والدولي)، لقد كان الحزب يمارس نوعا من الرقابة الذاتية أثناء ترشيحاته في الانتخابات السابقة ( 1997ــــــــ 2007 ) مراعاة للتوازنات الداخلية، والمؤثرات الخارجية ورغم ذلك كان يحصل على نتائج متقدمة .لذلك فالمنتصر في هذه الانتخابات وهذه التجربة هو الديمقراطية المغربية على نقائصها، التي جنبت البلاد اضطرابات وفتن، حولت بعض البلدان إلى خراب وأفنى القتل أهليها وتحول كثير من شعوبها إلى لاجئين .
ـــــ قيل الكثير حول دور الربيع العربي وحركة عشرين فبراير في حمل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ومعه انتظارات المغاربة في التغيير والديمقراطية بمعناها السياسي والاجتماعي، فهل أدى تراجع سياقات الربيع العربي الذي بدأ منذ سنة 2013 إلى بداية تراجع العامل الإقليمي الموضوعي الذي عبَّد الطريق للحزب نحو الحكومة. ليبقى العامل الذاتي وحده في الميدان ( قوة الحزب وتماسكه ، مدى وفاء الحاضنة الشعبية والانتخابية ووفائه لها، الحصيلة الانجازية على مستوى الحكومة وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية، مقاربة الحزب في إدارة علاقته مع المؤسسات الدستورية ) ، كما يطرح السؤال حول تراجع حركة عشرين فبراير، هل انتهت مهمتها منذ الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011 والذي طرح خريطة طريق وبرنامج إصلاح جنب البلاد مخاطر وتهديدات، ثم نجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات ثم تشكيله للحكومة وقيادتها، هل كان انسحاب "جماعة العدل والإحسان" من حركة عشرين فبراير باعتبارها الخزان الجماهيري لها سببا في تراجع هذه الحركة، وما هي ظروف وأسباب وخلفيات هذا الانسحاب، وهل كان مآلات الربيع العربي الدراماتيكية وانحساب حركة عشرين فبراير من المشهد بداية العد العكسي لسقوط الحزب بعد تآكل قاعدته الانتخابية على مدى عشر سنوات استنزف فيها الحزب رصيده الشعبي والشعاراتي وحجم المنجزات مقارنة مع الآمال المعقودة.
ــــ بعد هذه التجربة التي عاشها الحزب سواء في المعارضة أو قيادة الحكومة والتي بدأت منذ 1997 والتي انتهت بخروجه إلى المعارضة سنة 2021 هل سيعود النقاش من جديد حول "أطروحة الإصلاح من الداخل" التي يتبناها الحزب و تميزه عن أطروحة "جماعة العدل والإحسان" كبرى الفصائل الإسلامية في المغرب التي اختارت نهج المقاطعة الانتخابية وتشترط شروطا دستورية وسياسية قبل المشاركة في أي عملية انتخابية لضمان نجاح أي مشاركة انتخابية حسب رِؤيتها، كما هو الشأن أيضا عند بعض فصائل اليسار المغربي كحزب النهج الديمقراطي، أم أن الفشل والنجاح في أي تجربة يرتبط بالعامل الذاتي أساسا وطريقة إدارة الصراع السياسي وفهم الظروف والشروط التي تحكم قواعد اللعبة السياسية والانتخابية والعوامل الإقليمية والدولية المؤثرة والتوفيق بين الرغبات والإمكانات واستثمار حدود الهوامش المتاحة وطريقة إدارة التحالفات، فكثير من الدراسات والأبحاث حول "الانتقال الديمقراطي" ربطت بين تفاعل العوامل الداخلية والخارجية في إنجاح أو فشل بعض التجارب، وهل يمكن الحديث عن فشل "أطروحة الإصلاح من الداخل" أم فشل التجربة من خلال عناصرها الذاتية والموضوعية، وهل هناك فشل أم إفشال، لقد عاشت هذه التجربة لحزب العدالة والتنمية محطات طرحت حولها علامات استفهام وطرحت فيها تساؤلات،( ظروف انسحاب حزب الاستقلال في الحكومة الأولى ،حديث عبد الإله بنكيران عن التماسيح والعفاريت، ظروف محطة البلوكاج الحكومي سنة 2016......)،فيما يرى البعض أن خطاب الحزب كان خطابا تبريريا وكان شغله الشاغل هو كسب ثقة المؤسسات أولا على حساب مصالح ومطالب الشعب الاجتماعية والديمقراطية التي حملته إلى السلطة، وأنه لم يفعِّل بنود دستور 2011 (كما سجل ذلك التقرير العام للنموذج التنموي )، ألا تشكل هذه العناصر جزء كبير من الأخطاء والتقديرات التي قد يقع فيها أي حزب كما حدث للاتحاد الاشتراكي، أم أن الأمر يتعلق بدورة سياسية وانتخابية عادية بدأت انتخابيا وانتهت انتخابيا ورجعت إلى حيث بدأت، كما حدث ويحدث لكثير من الأحزاب في العالم مع اختلاف السياقات والظروف والهياكل والأنظمة السياسية وسيكولوجية الجماهير الناخبة والمزاج العام للناخب والمؤثرات الخارجية.
تجربة حكومة التناوب التوافقي ( 1998-2002) وتجربة حزب العدالة والتنمية ( 2011-2021)
ـــــ هل يمكن الحديث عن تكرار مآل تجربة حكومة التناوب التوافقي بقيادة الاتحاد الاشتراكي في نسختها الإسلامية هذه المرة كما تحدث عن ذلك كثير من المتابعين والمحللين، إذ خرج حزب الاتحاد الاشتراكي منهكا من هذه التجربة، وعرف انشقاقات وانسحابات وخلافات داخل الحزب دفعت الكاتب الأول عبد الرحمان اليوسفي إلى اعتزال السياسة نهائيا بعد المحاضرة الشهيرة التي ألقاها في بلجيكا، تحدث فيها عن أعطاب تجربة التناوب التوافقي، وتطرق فيها إلى "مراكز مقاومة التغيير"، وعدم احترام "المنهجية الديمقراطية" بعد تعيين ادريس جطو وزيرا أول رغم حصول الاتحاد الاشتراكي على الرتبة الأولى، أم أنه لا قياس مع وجود الفارق، إذ تمّ احترام المنهجية الديمقراطية في تجربة العدالة والتنمية من خلال اختيار رئيس الحكومة من الحزب الفائز كما ينص على ذلك دستور 2011، وحتى أثناء البلوكاج الحكومي وإقالة الأمين العام السابق عبد الإله بن كيران سنة 2016 تمّ اختيار رئيس الحكومة جديد من نفس الحزب وهو سعد الدين العثماني، كما أن مدة الولاية حكومة اليوسفي كانت خمس سنوات 1997 ـــــ 2002 بينما مدة ولاية حزب العدالة والتنمية 10 سنوات 2011 ـــــ 2021 ، وتجربة اليوسفي رحمه الله تمت في إطار دستور 1996 بينما جرت تجربة العدالة والتنمية تمّت في ظل دستور جديد 2011 متقدم كمًّا ونوعا على دستور 1996، صحيح هناك تشابه من حيث السياق الاستثنائي لكلا التجربتين، فاستدعاء الاتحاد الاشتراكي كان لمواجهة السكتة القلبية آنذاك، و استدعاء حزب العدالة والتنمية أملته سياقات الربيع العربي أو ربيع الشعوب وحركة عشرين فبراير ( الربيع المغربي ) مع فارق أساسي أن هذا الاستدعاء تمَّ عبر صناديق الاقتراع وليس في إطار توافقي،كما أن الاتحاد الاشتراكي قاد حكومة التناوب التوافقي لمدة خمس سنوات بعد أزيد من ثلاثين سنة من المعارضة، بينما حزب العدالة والتنمية قضى تقريبا 13 سنة في المعارضة و 10 سنوات في قيادة الحكومة، ولو لا ظروف الربيع العربي وحركة عشرين فبراير لما وصل إلى الحكومة إذ كان الحزب يستبعد أن يكون مشاركا في الحكومة فأحرى أن يكون قائدا لها، لأنه كان يواجه يومها مشروعا حزبيا يهدد وجوده الانتخابي والسياسي ممثل في مشروع حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما حالت دونه حركة عشرين فبراير التي عارضها الأمين العام للحزب آنذاك، كما حدث مع القاسم الانتخابي على أساس المسجلين الذي عارضه الحزب وكان في صالحه وهذه إحدى مفارقات هذه المحطة الانتخابية .
تعقيدات النسق السياسي والحزبي المغربي
ـــــ هل أصبحنا نعيش "اللايقين السياسي"، فمن كان يظن أن حزب العدالة والتنمية قبل ظهور حركة عشرين فبراير سنة 2011 أنه سيقود الحكومة لولايتين متتالتين في تاريخ المغرب السياسي والحزبي، فحتى الأمين العام للحزب سعد الدين العثماني الذي قال في أحد تصريحاته أنه لم يكن يحلم يوما أن يكون رئيس حكومة، وكانت بعض الأبحاث والمقالات المحسوبة على الصف العلماني واليساري وبعض الإسلاميين المستقلين وبعض التحليلات والأبحاث الصادرة عن مراكز أبحاث غربية وعربية تتحدث عن تراجع "الإسلام السياسي" أو "موت الإسلام السياسي"، فما أن أجريت انتخابات أكثر شفافية ونزاهة (مقارنة مع سابقاتها) سنة 2011 حتى تبوأ الإسلاميون المشاركون في العملية الانتخابية مواقع متقدمة، ونفس الأمر تكرر في هذه الانتخابات ولكن بصورة معكوسة فأغلب الباحثين والفاعلين السياسيين والمتتبعين للشأن المغربي، سواء كانوا متعاطفين مع الحزب أو من معارضيه وخصومه، كانوا يرجحون فرضية حصول الحزب في انتخابات 2021 على إحدى المراتب الأولى الأربع أو الثلاث رغم التعديلات الانتخابية والتي كانت توحي بتقزيم حظوظ الحزب في الفوز، ولم يكونوا يتوقعون هذه النتيجة المتدنية والتي حرمت الحزب حتى من تكوين فريق نيابي ( 20 نائبا )، وإذا بالنتائج كانت خارج التوقعات، مما جعلها "غير مفهومة" في نظر الحزب، وغير متوقعة حتى بالنسبة لأشد خصوم الحزب فهل أصبحنا أمام اللايقين السياسي، كما كانت فرضية العزوف الانتخابي سائدة بقوة قبل إجراء الانتخابات وإذا بنسبة المشاركة المعلنة كانت 50.18 % ومتقدمة على نسبة المشاركة سنة 2016 .
و هكذا أصبحت كل محطة انتخابية تفرج لنا عن مفاجآت سياسية عصية عن الفهم والتفسير بالمنطق الديمقراطي والاليات الكلاسيكية للتحليل السياسي والانتخابي، فكيف لحزب عارض حركة عشرين فبراير سنة 2011 وشكّك في مصدرها وتوجهها أن ينجح سنة 2011 في الانتخابات والحراك الجماهيري جاب أغلب مدن المملكة، أم أن المجال السياسي والاجتماعي المغربي له قوانينه الخاصة وتحكمه معادلات متعددة المجاهيل ولا يخضع للرغبات والانطباعات والمتمنيات.
بعد سقوط حزب العدالة والتنمية من يملأ الفراغ
ـــــــ بعد هذه النتيجة التي حصل عليها الحزب، من سيملأ كرسي المعارضة، وقد اختار الحزب التموقع في المعارضة كما جاء في بلاغه عقب إعلان النتائج، ف 13 مقعد لا تؤهل الحزب لتشكيل فريق برلماني، وحتى لو شكل فريقا ما ذا سيعارض وأغلب القرارات اتخذت أثناء ولايته، والأغلبية التي ستشكل الحكومة ويعارضها كان جزء منها تحت "قيادته" في الولاية السابقة، كما سيُواجَه بنفس الحجة التي كان يتحجَّج بها ضد معارضيه ومنتقديه من الأحزاب حول المقاصة وإصلاح التقاعد، بأن هذه الملفات لم تجرؤ أي حكومة سابقة على فتحها ومباشرتها، والآن سيقال للحزب لا تعارض أشياء قمت أنت بتمريرها أو التوقيع عليها باعتباره قائدا للحكومة . وإذا عجز الحزب عن القيام بالمعارضة أو مارس معارضة ضعيفة فمن سيملأ مقعد المعارضة، هل سيشكل تحالفا برلمانيا مع أحزب اليسار التي لم تدخل الحكومة، هل ستقوم بالمعارضة الصحافة بأنواعها الورقية أو الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، أو منظمات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات الحقوقية والتنسيقيات أو منصات الجمهور في ملاعب كرة القدم. لقد كان من اعطاب التجربة الحكومية السابقة والتي سجلها كثير من الملاحظين هو غياب معارضة قوية، فكان فريق حزب العدالة والتنمية في مجلس النواب يلعب هذا الدور، وفي غياب معارضة قوية هل سيلعب الشارع دور المعارضة، هل سينشط تيار المقاطعة والمعارضة خارج المؤسسات ،كما حدث في أحداث الحسيمة وجرادة وغيرها واعترف الجميع يومها بضعف مؤسسات الوساطة، لاشك أن هذا العنصر سيلعب دورا في توجيه مسار المرحلة المقبلة وفي مقدمتها تشكيل الحكومة، التي ينتظرها تنزيل النموذج التنموي الجديد، مما سيجعل من "التنمية ببعدها الاجتماعي" عنوان المرحلة المقبلة والتحدي الأكبر بحكم الانتظارات والآمال التي عكستها نتائج انتخابات 2021 ورسائلها المتعددة .
* باحث في مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية
